تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 436)جامع البيانالطبري١٨/٤٣٦: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس والحسن وقتادة في تفسير الآية ومقابلة مصير المؤمنين بمصير الظالمين: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ}: أي ومن يقدم في دنياه الأعمال الصالحة الموافقة لأمر الله وشرعه، {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}: مصدق بوحدانية الله مخلص له في دينه، {فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}: قال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد عليه في سيئاته (وهو الظلم)، ولا أن ينقص من حسناته (وهو الهضم)، بل توفى له حسناته كاملة غير منقوصة، ويضاعف له الأجر بفضل الله ورحمته.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 344)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٤: يبين ابن كثير أن هذا وعد إلهي قاطع بالعدل التام والفضل المطلق؛ فلا يُحمل على المؤمن وزر غيره ولا يُزاد في سيئاته مثقال ذرة، ولا يُنقص من ثواب عمله الصالح أي حق، بل يجد كرم الله وثوابه أضعافاً مضاعفة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 327)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٢٧: يذكر القرطبي القراءات في {فَلَا يَخَافُ}: قرأ الجمهور بالرفع: {فَلَا يَخَافُ} على الخبر المتضمن معنى الوعد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية بالجزم: {فَلَا يَخَفْ} على النهي للغائب، أو على جواب الشرط بحذف الألف للجزم.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 513)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥١٣: يوضح السعدي شرط قبول الأعمال الصالحة وهو الإيمان؛ فالأعمال بغير إيمان هباء منثور، فإذا اقترن العمل بالإيمان نال العبد الأمان التام من كل ظلم وهضم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
الصَّالِحَاتِ: الأعمال المستقيمة الموافقة لهدي الشريعة.
مُؤْمِنٌ: مصدق بالقلب مخلص لله.
ظُلْمًا: الظلم هنا: الزيادة في السيئات أو تحميل وزر الغير.
هَضْمًا: الهضم: النقص من الحق وغصب بعضه، يقال: هضمه حقه إذا نقصه وكسره، ومنه هضم الطعام لكسره وتفتيته.
الإعراب والتركيب:
وَمَن: الواو عاطفة، ومن اسم شرط جازم مبتدأ.
يَعْمَلْ: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره هو.
مِنَ الصَّالِحَاتِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به لـ يعمل (أي شيئاً من الصالحات).
وَهُوَ: الواو حالية، وهو ضمير منفصل مبتدأ.
مُؤْمِنٌ: خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية في محل نصب حال قيد لـ يعمل.
فَلَا: الفاء رابطة لجواب الشرط، ولا: نافية (أو ناهية).
يَخَافُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة (أو مجزوم في قراءة)، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
ظُلْمًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: لتوكيد النفي.
هَضْمًا: معطوف على ظلماً منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: مقابلة قرآنية باهرة بين عاقبة من حمل ظلماً وخسر {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}، وبين فوز من عمل الصالحات وأمن من كل ظلم وهضم.
التناسب البلاغي: اشتراط الحال {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} في وسط الجملة الشرطية لبيان أن العمل الصالح لا وزن له ولا ثمرة ترجى منه يوم القيامة إلا إذا بني على أساس العقيدة والإيمان الصحيح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: ما الفرق الدقيق بين (الظلم) و(الهضم) في الآية؟
دفع الشبهة والإعجاز المعجمي:
الظلم هو الزيادة في العقوبة أو معاقبة الإنسان بذنب لم يقترفه أو تحميله وزر غيره؛ فنفاه الله عن عباده المؤمنين.
الهضم هو النقص من ثواب العمل الصالح المستحق أو بخس أجر الطاعة؛ فنفاه الله أيضاً، فأثبت للمؤمن كمال العدل بانتفاء الزيادة في السيئات وانتفاء النقصان من الحسنات.
التنكير في {ظُلْمًا} و{هَضْمًا} في سياق النفي يفيد استغراق نفي أدنى ذرة من الظلم أو النقصان.
التعبير بـ {مِنَ الصَّالِحَاتِ} بـ (من) التبعيضية للترغيب؛ فمن عمل بعض الصالحات وهو مؤمن نال هذا الوعد الكريم تفضلاً من الله.
التدبر الإشاري: أمان العبد يوم القيامة مرهون بسلامة عقيدته وصالح عمله؛ فمن أتى ربه مؤمناً استقر في كنف الأمان والرضوان والعدل المطلق الذي لا يظلم مثقال ذرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
بث الطمأنينة في قلوب المؤمنين بعدل الله المطلق ورحمته وفضله.
التأكيد على تلازم الإيمان والعمل الصالح؛ فلا إيمان بلا عمل، ولا يقبل عمل بلا إيمان.
الأثر التربوي والإيماني:
شحذ الهمة في الاستكثار من الصالحات، واليقين بأن كل عمل يقدمه العبد محفوظ لا يضيع منه شيء عند الله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}.