مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ
مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة الغاية الكبرى من إنزال القرآن الكريم، نافياً عن نبيه وعن كل متمسك بالوحي وصمة الشقاء والعناء؛ قال الطبري في جامع البيان (18/274)مصدر غير محدد١٨/٢٧٤: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب بقيامك به بالليل وصيامك بالنهار، وتجهد نفسك بما يثقل عليك من فرائضه وحدوده، ولكن أنزلناه رحمة لك ونوراً وراحة». وفي سبب نزول الآية، أخرج عبد الرزاق وابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة قالا: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى مخافة أن يغلبه النوم من شدة طول القيام والاجتهاد في العبادة، حتى كادت قدماه تتورمان، فقال كفار قريش: ما أنزل الله على محمد هذا القرآن إلا ليشقى به! فأنزل الله تعالى: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}». وروى ابن كثير في تفسيره (5/267)مصدر غير محدد٥/٢٦٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} قال: «لا تتعب نفسك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم؛ فلا تهلك نفسك عليهم حسرات». وقال قتادة: «لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة». وقال السعدي في تفسيره (ص 502)مصدر غير محدد٥٠٢: «أي: ليس المقصود بإنزال الكتاب وتكليفك بالرسالة أن تشقى في دنياك أو آخرتك، بل إنما أنزلناه ليسعدك ويسعد بك العالمين، ولتجد فيه طمأنينة قلبك وراحة نفسك».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ترتبط الآية الكريمة بما قبلها ارتباطاً معنوياً وبلاغياً مباشراً؛ فبعد افتتاح السورة بالحرفين المقطعين المقترنين بالسكينة، جاء النفي القاطع لكل وهم أو افتراء يزعم أن الرسالة القرآنية عبء ثقيل يجلب التعاسة والشقاء لحاملها وأتباعها. والنظم هنا يقابل بين فرية المشركين الذين قالوا: "ما نرى محمداً إلا قد شقي بمفارقة دين آبائه واجتهاده في عبادة ربه"، وبين التقرير الإلهي الصادق الذي يؤكد أن القرآن روح وسعادة، وأن المشقة المنفية هي مشقة الضياع والاضطراب والحسرة، أما الجهد المبذول في طاعة الله فهو عين النعيم وغاية السعادة.