تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 416)جامع البيانالطبري١٨/٤١٦: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في تفسير الآية: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ}: والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور، {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا}: أي نحشر الكفار المشركين يوم القيامة زرق العيون، سود الوجوه، من شدة العطش والهلع والفزع، وقيل: عمياً لا يبصرون شيئاً كأن في أعينهم زرقة الماء التي تغشى البصر.
الحديث النبوي الصحيح في شأن الصور: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ".
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 337)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٧: يوضح ابن كثير أن الجمع بين زرقة العيون وسواد الوجوه يمثل أقصى درجات التشويه والفظاعة؛ حيث تنقلب ألوان وجوههم وعيونهم دلالة على الخزي والرعب والعطش القاتل في عرصات القيامة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 307)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٠٧: يذكر القرطبي القراءات في {يُنفَخُ}: قرأ الجمهور بالياء مبنياً للمفعول: {يُنفَخُ فِي الصُّورِ}، وقرأ أبو عمرو في رواية: {نَنفُخُ} بنون العظمة مبنياً للفاعل، وفي {وَنَحْشُرُ}: قرأ الجمهور بالنون: {وَنَحْشُرُ}، وقرأ أبو عمرو وأهل البصرة بالياء: {وَيَحْشُرُ} جرياً على سياق الغيبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
الصُّورِ: القرن العظيم الموكل به إسرافيل عليه السلام للنفخ فيه بأمر الله.
نَحْشُرُ: الحشر: جمع الناس وسوقهم من كل مكان إلى موقف الحساب.
زُرْقًا: جمع أزرق، والزرقة لون معروف في العين، ويطلق عند العرب على شدة العطش، أو على العمى وبياض الحدقة لذهاب البصر، أو تشوه الخلقة.
الإعراب والتركيب:
يَوْمَ: بدل من {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} في الآية السابقة (أو مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر).
يُنفَخُ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة ظاهرة.
فِي الصُّورِ: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل (أو نائب الفاعل ضمير مستتر والمجرور متعلق به).
الْمُجْرِمِينَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
يَوْمَئِذٍ: يوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ نحشر، وإذ اسم مبني على السكون حرك بالكسر للتنوين وهو مضاف إليه.
زُرْقًا: حال منصوبة من المجرمين وعلامة نصبها الفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تفصيل وتجسيد لهول يوم القيامة الموعود؛ بالبدء بالحدث الكوني الجلل وهو النفخ في الصور، ثم تصوير هيئة المجرمين البائسة المرتعدة عند سوقهم إلى المحشر.
التناسب البلاغي: إسناد الحشر إلى ضمير العظمة {وَنَحْشُرُ} لبيان شمول القدرة الإلهية وسوق الخلائق جميعاً دون أن يشذ منهم أحد، ووصفهم بـ {زُرْقًا} لإبراز أثر الرعب الجسدي والنفسي عليهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُجمع بين قوله تعالى هنا: {زُرْقًا}، وقوله في مواضع أخرى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} وقوله: {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}؟
دفع الشبهة والتوفيق بين أحوال المحشر:
يوم القيامة يوم طويل ومقاديره متباينة وأحواله متعددة؛ فيحشرون أولاً على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، وزرقة العيون دلالة على العمى وذهاب البصر وتحول الحدقة إلى زرقة مخيفة.
سواد الوجوه مقترن بزرقة العيون في مشهد تشويه كلي لأجسادهم؛ فالسواد في البشرة دلالة الكفر والخزي، والزرقة في الأعين دلالة العطش الشديد والرعب القاتل، فتتكامل الصفات لتصوير غاية الهوان.
التعبير بـ {زُرْقًا} يثير صورة حسية مرعبة تجسد ملامح الفزع وانحباس الدم والخوف من العذاب القادم.
استخدام صيغة البناء للمجهول في {يُنفَخُ} لتهويل الفعل ولأن النافخ معلوم وهو الملك الموكل بإسرافيل.
التدبر الإشاري: الذين تلذذوا في الدنيا بالمعاصي وزينوا وجوههم بالرياء والخيلاء، تحشرهم يد العدالة الإلهية مشوهين منكسين؛ فالجزاء الحق يظهر خبايا القلوب على ملامح الأجساد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ترهيب الغافلين بذكر أهوال المحشر وما يعتري الكفار والمجرمين من التشوه والخزي.
الاستعداد لتلك الساعة بالعمل الصالح وبياض الوجه بالإيمان: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}.
الأثر التربوي والإيماني:
وجل القلوب من هول نفخة الصور، وسؤال الله النجاة والأمان يوم الفزع الأكبر، وأن يجعلنا من المقربين الآمنين.