تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 346)جامع البيانالطبري١٨/٣٤٦: يروي الطبري عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد أن السحرة لما رأوا الحية تبتلع حبالهم وعصياً واحداً تلو الآخر، ثم أخذها موسى فعادت عصا في يده كما كانت، علموا علماً يقيناً لا يخالجه ريب أن هذا ليس بسحر؛ لأن السحر لا يبتلع الأجسام ولا يعيدها بعد الإفناء إلى أصلها، وإنما هذا فعل الإله القادر الذي لا يعجزه شيء. فخروا ساجدين لله على وجوههم، فما رفعوا رؤوسهم حتى أراهم الله الجنة ومنازلهم فيها.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 312)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٢: ينقل ابن كثير قول عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير: "كانوا أول النهار سحرة كفاراً، وصاروا في آخره شهداء بررة". وقد بين أن هذا التحول المذهل كان برهاناً على صدق المعجزة ووصول الحق إلى قلوبهم بقوة باهرة قهرت أهواءهم وحطمت قيود التبعية لفرعون.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 236)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٣٦: يوضح القرطبي أن البناء للمفعول في {فَأُلْقِيَ} يدل على أنهم خروا سجداً كأنهم أُلقوا إلقاءً من شدة ما بهرهم من الحق وسلطان اليقين، فكأن قوة قاهرة أخذت بأعناقهم وطرحتهم ساجدين لرب العالمين.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 270)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٧٠: يشير ابن عاشور إلى دقة قولهم: {بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}؛ حيث قدموا هارون هنا في الذكر لمراعاة الفواصل القرآنية المنتهية بالألف المقصورة، ولأن هارون كان أسن من موسى، أو لنفي أي وهم قد يطرأ بأنهم قصدوا بربهم فرعون الذي كان يدعي الربوبية، فعينوا الإله الحق بإضافته إلى هذين النبيين الكريمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أُلْقِيَ: بني الفعل للمفعول للدلالة على شدة الدافع وقوة الأثر الحاصل في نفوسهم الذي ألجأهم إلى السجود قهراً.
سُجَّدًا: جمع ساجد، وهو الخاضع بوضع جبهته على الأرض تعظيماً لله.
آمَنَّا: الإيمان: التصديق الجازم مع الإقرار والعمل.
الإعراب والتركيب:
فَأُلْقِيَ: الفاء عاطفة تفيد التعقيب المباشر، وأُلقي فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح.
السَّحَرَةُ: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
سُجَّدًا: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة.
قَالُوا: فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو: فاعل، والجملة حالية أو استئنافية مفسرة.
آمَنَّا: فعل ماضٍ مبني على السكون، ونا: ضمير متصل في محل رفع فاعل.
بِرَبِّ: جار ومجرور متعلق بـ آمنا.
هَارُونَ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
وَمُوسَىٰ: الواو عاطفة، وموسى معطوف على هارون مجرور بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: أعظم تحول في تاريخ المناظرات؛ حين انقلب جنود الباطل الذين حشدهم فرعون للانتصار له إلى أول المؤمنين بموسى وهارون، وإعلان التوحيد على رؤوس الأشهاد في قلب الساحة.
التناسب البلاغي: مجيء فاء التعقيب في {فَأُلْقِيَ} يبين أنه لم يقع منهم أي تردد بعد وضوح الدليل؛ فبمجرد ابتلاع الحية لحبالهم سقطوا سجداً في الحال، مما يعكس نبل نفوسهم التي كانت تطلب الحقيقة بإنصاف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا آمن السحرة بسرعة فائقة بينما ظل فرعون وقومه على كفرهم؟
دفع الشبهة وبيان الفارق العلمي:
السحرة كانوا أهل تخصص ومعرفة دقيقة بحدود السحر والحيل المادية وقوانينها؛ فلما رأوا ما فعلته العصا علموا بيقين قاطع أن هذا يقع خارج الإمكان البشري وخارج قوانين السحر والتخييل، وأن هذا لا يكون إلا من خالق الكون.
فرعون وقومه كانوا جهالاً بالصنعة، تحركهم العصبية والكبر وشهوة الملك، فسهل عليهم التكذيب والمكابرة، في حين ألجم العلمُ السحرةَ وقادهم إلى الإذعان.
هذا يبرهن على أن العلم المتخصص المنصف يقود صاحبه إلى الإيمان، بينما الجهل المستكبر يحجب النور عن القلب.
التعبير بالبناء للمجهول {فَأُلْقِيَ}: استعارة مكنية تجسد سلطان الحق الذي يجذب القلوب ويطرح الأجساد خاضعة لجلال الله دون استئذان.
تقديم هارون على موسى في هذا الموضع: توافق بديع مع فواصل السورة الصوتية التي بنيت على الألف اللينة المقيدة.
التدبر الإشاري: سجود السحرة كان بمثابة إعلان وفاة الوثنية والفرعونية في مصر؛ فحين يسجد حماة الهيكل وكهنة السحر تنهار الأساطير التي بنى عليها الطاغية عرشه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
قوة المعجزة الإلهية في حسم الصراع بين الحق والباطل؛ والدعوة إلى الله تبنى على البراهين القاطعة التي لا تدع للشك سبيلاً.
أن باب التوبة مفتوح لكل عاصٍ ومفسد مهما عظمت ذنوبه؛ فهؤلاء السحرة الذين جاؤوا لنصرة الكفر صاروا في لحظة واحدة أئمة في التوحيد واليقين.
الأثر التربوي والإيماني:
سرعة الاستجابة للحق عند تبينه، ونبذ الكبر والعناد؛ فما أعظم نفساً تعرف الحق فتنقاد له وتخر ساجدة لبارئها دون حساب للثمن الدنيوي.