تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 380)جامع البيانالطبري١٨/٣٨٠: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في إخبار الله تعالى لكليمه موسى بما حدث في غيبته: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ}: أي ابتليناهم واختبرنا إيمانهم بعد فراقك لهم ومسيرك إلى الطور، {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ}: أي دعاهم رجل يقال له موسى بن ظفر من أهل باجرمى (أو من قبيلة السامرة)، وكان منافقاً يظهر الإسلام، فصنع لهم من حلي القبط عجلاً جسداً له خوار ودعاهم إلى عبادته، فاستجاب له عامتهم إلا هارون ومن ثبت معه من المؤمنين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 325)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٥: يوضح ابن كثير أن الله تعالى أخبر موسى بفتنة قومه وهو في جبل الطور قبل أن يرجع إليهم، ليمهد لنفسه تلقي الصدمة؛ ومع ذلك فإن الخبر بالشيء ليس كمعاينته ورؤيته بالعين، ولهذا لما عاين موسى العجل ألقى الألواح من شدة الغضب لله تعالى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 270)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٧٠: يبين القرطبي أن الفتنة أضيفت إلى الله تعالى خلقاً وتقديراً وابتلاءً: {فَتَنَّا قَوْمَكَ}، وأضيف الإضلال إلى السامري كسباً ودعوة وتضليلاً: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ}، وهذا هو ميزان أهل السنة في الجمع بين القدر الشرعي والقدر الكوني.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 295)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٩٥: يحلل ابن عاشور سرعة وقوع الفتنة؛ فبنو إسرائيل كانوا حديثي عهد بعبادة العجول والأوثان في مصر الفرعونية (عبادة العجل أبيس)، فكانت رواسب الوثنية كامنة في نفوس العامة، فاستغل السامري غيبة موسى ليحيي تلك النزعة الجاهلية الدفينة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
فَتَنَّا: الفتنة: الابتلاء والامتحان، وأصلها وضع الذهب في النار لتمييز جيده من رديئه.
مِن بَعْدِكَ: أي بعد انطلاقك ومفارقتك لهم إلى الميقات.
السَّامِرِيُّ: نسبة إلى قبيلة أو قرية يقال لها سامرة، أو نسبة إلى السامرة من بني إسرائيل.
الإعراب والتركيب:
قَالَ: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره الله تعالى.
فَإِنَّا: الفاء فصيحة، وإنّ حرف توكيد ونصب، ونا: اسمها.
قَدْ: حرف تحقيق.
فَتَنَّا: فعل ماضٍ مبني على السكون، ونا: فاعل، والجملة في محل رفع خبر إنّ.
قَوْمَكَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والكاف: مضاف إليه.
مِن بَعْدِكَ: جار ومجرور متعلق بـ فتنّا (أو بمحذوف حال)، والكاف: مضاف إليه.
وَأَضَلَّهُمُ: الواو عاطفة، وأضلّ فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء: مفعول به، والميم: للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد أن أظهر موسى سروره وعجلته إلى ربه: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}، فاجأه الخطاب الإلهي بهذا النبأ الجلل المزلزل، لتنقلب المشاعر من فرح المناجاة إلى ألم الغيرة على التوحيد.
التناسب البلاغي: تصدير الجملة بـ إنّ وقد التحقيقية لتوكيد وقوع الحادثة وقطع أي شك في نفس موسى قبل عودته إليهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُنسب الفتن إلى الله تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ}، وهل يريد الله لعباده الضلال؟
دفع الشبهة وفق عقيدة أهل السنة والجماعة:
الفتنة هنا بمعنى الابتلاء والامتحان بالقدر؛ فالله يمتحن عباده بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليتبين الصادق من الكاذب، كما قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}.
الإضلال المباشر أُسند إلى كسب السامري وسعيه الفاسد: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ}؛ فالعبد فاعل لفعله حقيقة ومختار لكسبه، والله تعالى خلق الأسباب وابتلى بها العباد عدلاً وحكمة.