أسباب النزول وسياق السؤال: يروي الطبري وابن كثير عن ابن عباس وغيره أن كفار قريش لما سمعوا بأهوال القيامة وحشر الناس وقيام الساعة، تساءلوا على وجه الاستبعاد والتعجيز: كيف تكون هذه الجبال الرواسي الشامخة الصماء يوم القيامة؟ وأين تذهب هذه الجبال العظيمة (كأبي قبيس وحراء وثبير)؟ فأنزل الله رداً حاسماً على سؤالهم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا}: أي قل لهم يا محمد: يقلعها ربي من أصولها، ويفتتها حتى تصير كالهباء المنثور والعهن المنفوش، ثم يذريها بالرياح تذرية ونسفاً حتى تتلاشى كلياً في الهواء.
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 422)جامع البيانالطبري١٨/٤٢٢: يوضح الطبري أن النسف هو التذرية والتفتيت؛ كنسف الحب في الغربال ليطير التبن ويبقى الصافي، فالجبال الرواسي الشوامخ يفتتها الله فتصير كالغبار الذي تذروه الرياح فلا يبقى منها حجر ولا أثر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 339)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٩: يبين ابن كثير مراحل دك الجبال في القرآن؛ تبدأ بالرجفة والزلزلة {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ}، ثم تصير كثيباً مهيلاً، ثم كعهن منفوش، ثم ينسفها الله نسفاً فتصير هباءً منثوراً، وتستوي الأرض قاعاً صفصفاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 313)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣١٣: يذكر القرطبي أن قوله: {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} جاء بالفاء الرابطة في جواب السؤال؛ إشعاراً بأن السؤال قد وقع بالفعل وكان الجواب حاضراً فورياً لقطع دابر شكهم، وإضافة الرب إلى ياء المتكلم {رَبِّي} تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم واعتزاز بربوبيته وقدرته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
يَسْأَلُونَكَ: السؤال هنا سؤال استبعاد وإنكار وتكذيب.
الْجِبَالِ: جمع جبل، وهو المرتفع العظيم الصخري الراسي في الأرض.
فَقُلْ: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر (أو فصيحة)، وقل فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
يَنسِفُهَا: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والهاء: ضمير متصل مفعول به.
رَبِّي: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه، والجملة في محل نصب مقول القول.
نَسْفًا: مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة مؤكد لعامله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد تصوير أحوال الناس في المحشر وتخافتهم، انتقل السياق إلى وصف التغيرات الكونية الجيولوجية الهائلة في مسرح القيامة؛ بياناً للقدرة الإلهية المطلقة التي تسحق أعظم تضاريس الأرض.
شبهة: لماذا جاء الجواب بالفاء {فَقُلْ} هنا، بينما في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ} بغير فاء؟
دفع الشبهة وسر البلاغة القرآنية:
القاعدة البيانية عند أئمة التفسير (كالزمخشري وابن عاشور والسامرائي): أنه إذا كان السؤال قد وقع بالفعل وحصل في الواقع قيل: {قُلْ} بغير فاء، وأما إذا كان السؤال مفروضاً أو متوقع الوقوع أو واقعاً في جواب شرط مقدر قيل: {فَقُلْ} بالفاء؛ أي إن سألوك عنها فقل كذا.
وقيل: الفاء تفيد سرعة الجواب وحسم الشبهة فور نطقهم بها دون أي مهلة للتفكير أو التردد؛ تعظيماً لقدرة الله التي لا يعجزها نسف الجبال.
التوكيد بالمفعول المطلق {نَسْفًا} لإفادة المبالغة في الاقتلاع والإفناء التام.
إضافة الرب إلى ياء المتكلم {رَبِّي} إظهار للقرب والاعتزاز بنصرة الله لرسوله وإظهار قدرته القاهرة.
التدبر الإشاري: الجبال الصماء الرواسي التي ترمز في حس الإنسان إلى الثبات والخلود، تنسف وتتحول إلى هباء في لحظة؛ فكيف يتكبر إنسان ضعيف مخلوق من ماء مهين أمام جبار السماوات والأرض؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
استخدام الحقائق الكونية ومشاهد القيامة في كسر كبرياء المكذبين وإلجام عقولهم المعاندة.
الإجابة الحاسمة القائمة على تقرير قدرة الله المطلقة التي لا تحدها قوانين الطبيعة المألوفة.
الأثر التربوي والإيماني:
تصغير كل عظيم في عين المؤمن سوى الله؛ فإذا كانت الجبال تنسف نسفاً، فكل قوى الطغيان والبغي أهون عند الله من ذرة غبار.