تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 373)جامع البيانالطبري١٨/٣٧٣: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير ومجاهد في تفسير الآية: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ}: أي كثير المغفرة والستر والتجاوز عن الذنوب العظام، {لِّمَن تَابَ}: رجع عن الشرك والذنوب إلى التوحيد والطاعة، {وَآمَنَ}: صدق بوحدانية الله ورسله واليوم الآخر، {وَعَمِلَ صَالِحًا}: أدى الفرائض واجتنب المحارم، {ثُمَّ اهْتَدَىٰ}: أي استقام على ذلك ولم يشكك ولم يرتد ولم يبدل حتى مات، وقال قتادة والضحاك: لزم السنة والجماعة ولم يبتدع، وقال مجاهد: استقام على الهدى حتى فارق الدنيا.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 322)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٢: يوضح ابن كثير أن هذه الآية الكريمة تفتح باب الأمل الفسيح لكل من هلك أو قارب الهلاك؛ فبعد التحذير من حلول الغضب: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ}، عطف عليه بالبشرى لمن استدرك أمره وتاب، فبين أنه سبحانه (غفار) بصيغة المبالغة، لمن جمع هذه الشروط الأربعة: التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، والاستقامة على الهدى إلى الممات.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 263)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٦٣: يذكر القرطبي أن قوله: {ثُمَّ اهْتَدَىٰ} فيه دلالة على التراخي الرتبي والزمني؛ أي استمر على ذلك الهدى وثبت عليه؛ لأن العبرة بالخواتيم؛ فكم من عبد بدأ صالحاً ثم غير وبدل فخاب سعيه، فالشرط الأعظم هو الثبات على التوحيد والسنة حتى لقاء الله.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 511)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥١١: يبين السعدي شروط المغفرة الأربعة كما دلت عليها الآية، وأن العبد كلما استكمل هذه المراتب استحق مغفرة الله التامة التي تمحو كل ما سلف من الجرائم والذنوب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
غَفَّارٌ: صيغة مبالغة من غفر، والغفر في اللغة هو الستر والوقاية من المكروه، ومعناه: الذي يتكرر منه الستر والمغفرة ذنباً بعد ذنب مرة بعد مرة.
تَابَ: التوبة: الرجوع والفيئة إلى الله، من تاب يتوب توبة.
اهْتَدَىٰ: الاهتداء: لزوم طريق الرشاد والاستمرار عليه وطلب المزيد من أسباب الهدى.
الإعراب والتركيب:
وَإِنِّي: الواو استئنافية، وإنّ حرف توكيد ونصب، والياء اسمها.
لِّمَن: اللام حرف جر، ومَن اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ غفار.
تَابَ: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول.
وَآمَنَ: معطوف على تاب.
وَعَمِلَ: معطوف على آمن.
صَالِحًا: مفعول به منصوب (أو نعت لمفعول مطلق محذوف تقديره عملاً صالحاً).
ثُمَّ: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي (الرتبي والزمني).
اهْتَدَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: أعظم تناسب بين ترهيب وترغيب؛ فبعد أن أوصد الباب في وجه الطغاة وهددهم بالهوي في نار سقر، فتح باب الرجاء على مصراعيه بأبلغ صيغ المبالغة لمن عاد وأناب.
التناسب التربوي: ترتيب مراتب النجاة بـ ثم: التوبة أولاً من المعصية (تخلية)، ثم الإيمان بالقلب (تحلية)، ثم العمل الصالح بالجوارح (تصديق)، ثم الثبات والاهتداء بالسنة إلى الممات (استدامة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا جاء العطف بـ {ثُمَّ} في قوله: {ثُمَّ اهْتَدَىٰ}، مع أن الاهتداء حاصل بالإيمان والعمل الصالح؟
دفع الشبهة وبيان دقة النظم:
(ثم) هنا تفيد التراخي الرتبي لعلو منزلة الثبات؛ فالدوام على الاستقامة أعظم وأشق من مجرد الدخول في العمل؛ فالثبات هو التاج الذي يزين سائر الأعمال.
وتفيد التراخي الزمني؛ أي استمر على هذا الهدى واستقام عليه زمناً طويلاً حتى وافاه أجله وهو على الإيمان والسنة.
وقيل: اهتدى أي لزم طريق أهل السنة ولم يبتدع ولم يفتتن بالفتن؛ فالابتداع قد يقع من بعض من يعمل الصالحات فيفسد عمله، فاحترز بالاهتداء إلى السنة.