قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ
يبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة جواب موسى عليه السلام المستفيض؛ حيث بسط القول وأطنب في ذكر صفات عصاه ومنافعها تلذذاً بمخاطبة ربه وتفصيلاً لما سئل عنه؛ قال الطبري في جامع البيان (18/300)مصدر غير محدد١٨/٣٠٠: «يقول تعالى ذكره: قال موسى مجيباً لربه: هي عصاي التي أعرفها، أتوكأ عليها في مشيي إذا أعييت، وأهش بها على غنمي؛ أي أضرب بها الشجر الرطب فيتساقط ورقه على غنمي لترعاه، ولي فيها حوائج ومنافع أخر غير هاتين». وقال ابن كثير في تفسيره (5/271)مصدر غير محدد٥/٢٧١: «زاد موسى في الجواب عن مجرد قوله: "هي عصاي"، فذكر منافعها وأغراضه منها؛ ليمتد به الكلام في مناجاة ربه تبارك وتعالى، وهذا من كمال المحبة والرغبة في الحديث مع الحبيب الأعظم جل جلاله». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/186)مصدر غير محدد١١/١٨٦: «استدل علماؤنا بهذه الآية على جواز حمل العصا والانتفاع بها، وأنها من سنن الأنبياء والصالحين؛ وفيها منافع جمة؛ قال ميمون بن مهران: حمل العصا سنة للأنبياء وعلامة للمؤمن». وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} قال: «أحمل عليها زادي ومخفاتي، وأرد بها السباع عن غنمي، وأركزها في الأرض فألقي عليها الكساء فأستظل بها من حر الشمس». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «أطنب موسى في هذا المقام؛ لأن المقام مقام مناجاة ولذة بالحديث مع الرب تبارك وتعالى، فذكر حاجته إليها في التوكؤ والهش على الغنم، ثم أجمل سائر المنافع فقال: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الجواب المستفيض من موسى عليه السلام ينسجم تماماً مع السياق النفسي والوجداني؛ فالسؤال كان وجيزاً: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ}، وكان الجواب الكافي منطقياً أن يقول: "عصا"؛ لكنه قال: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}. وهذا التناسب يعكس رغبة المحب في الاسترسال في الحديث مع مولاه، كما يعكس دقة الحصر والتوثيق لطبيعة هذه العصا؛ فبين أنها أداة عمل ريعية مألوفة يمارس بها مهام الرعي اليومية، حتى تبرز المعجزة اللاحقة بأقوى درجات التباين والوضوح.