تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 463)جامع البيانالطبري١٨/٤٦٣: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وقتادة ومجاهد وأبي هريرة في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي}: أي من تولى عن كتابي وتوحيدي وطاعتي، فلم يصدق به ولم يعمل بأحكامه، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}: أي معيشة ضيقة شديدة شاقة في الدنيا بنزع البركة وضيق الصدر والقلق والحيرة، وفي البرزخ بعذاب القبر؛ فقد روي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً أن المعيشة الضنك هي: عذاب القبر وتضييقه على الكافر حتى تختلف أضلاعه، {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}: أي نحشره إلى عرصات المحشر أعمى البصر لا يرى شيئاً، أو أعمى عن كل حجة ورشد لا يهتدي إلى سبيل نجاة.
الحديث النبوي الصحيح في عذاب القبر: أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: "عَذَابُ الْقَبْرِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ فِي جَسَدِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ".
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 354)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٤: يوضح ابن كثير أن المعرض عن ذكر الله وإن كان في نعيم ظاهري ورفاهية مادية من مآكل ومشارب وقصور، فإن قلبه في ضيق وحيرة وقلق دائم لا يذوق طعم السكينة واليقين أبداً؛ لشكه واضطرابه وخوفه من المستقبل، ثم يؤول أمره إلى ظلمة القبر وظلمة الحشر أعمى البصر والبصيرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 353)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٥٣: يبين القرطبي أن الضنك في لغة العرب هو الضيق والشدة، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ يقال: مكان ضنك، ومعيشة ضنك، ونفس ضنك، ونسبتها إلى المعيشة لبيان شمول الشقاء لكل تفاصيل حياة المعرض.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 365)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٦٥: يحلل ابن عاشور المقابلة بين هذه الآية والتي قبلها؛ فمن اتبع الهدى نال كمال الهداية والسعادة، ومن أعرض عن الذكر عوقب بنقيض ذلك: الضنك والشقاء في الدنيا، والعمى والخزي في الآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أَعْمَىٰ: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وجملة جواب الشرط في محل جزم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: مقابلة حتمية للشق السعيد في الآية السابقة؛ فبعد بيان جزاء من اتبع الهدى {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ}، جاء بيان الجزاء المرعب لمن استكبر وأعرض عن ذكر الله.
التناسب البلاغي: الوصف بالمصدر {ضَنكًا} للمبالغة في استغراق الضيق لكل جوانب حياته؛ فلا يجد متنفساً من القلق والاكتئاب مهما تظاهر بالترف والسرور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: نرى كثيراً من الكفار والملاحدة والفساق يعيشون في ثراء فاحش وقصور باذخة، فكيف يقال: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}؟
دفع الشبهة وتحقيق المفهوم النفسي والشرعي:
المعيشة الضنك ليست فقر المال وجدوبة الأرض فحسب، بل هي ضيق الصدر وحيرة الروح وقلق البال وفقدان السكينة؛ فالكافر المحروم من الإيمان يعيش في هلع دائم من الموت والزوال، وتنهش روحه الصراعات والشهوات، وإحصاءات الانتحار والأمراض النفسية في أكثر المجتمعات ثراءً أكبر شاهد على صدق هذه الآية الكريمة.
المؤمن لو كان فقيراً لا يملك إلا قوته فهو منشرح الصدر راضٍ بقضاء ربه، معيشته طيبة مباركة، بينما الكافر لو ملك الدنيا بأسرها فهو فقير النفس مستوحش القلب.
ثم إن المعيشة الضنك تشمل عذاب القبر الذي لا ينجو منه كافر ولا فاجر، والبرزخ جزء لا يتجزأ من مسار المعيشة قبل البعث.
الوصف بالمصدر {ضَنكًا} للدلالة على أن الضيق صار صفة ذاتية ملازمة لمعيشته.
المطابقة والجزاء من جنس العمل: لما تعامى في الدنيا عن آيات الله عوقب بالعمى الحسي والخزي في المحشر: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}.
التدبر الإشاري: لا سعادة للنفس البشرية ولا راحة لها إلا بالاتصال بخالقها؛ فإذا انقطعت الصلة بالوحي استحالت الحياة إلى سجن مظلم وضنك خانق مهما زينت الجدران بالذهب والرياش.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
دعوة الحيارى والتائهين والباحثين عن السعادة إلى رحاب القرآن وذكر الله؛ فالعلاج الجذري لأمراض العصر النفسية والروحية هو الرجوع إلى الوحي.
التحذير الشديد من هجر القرآن والتنكب عن صراط الله المستقيم.
الأثر التربوي والإيماني:
الاستمساك بذكر الله وتلاوة آياته في كل آن؛ التماساً لشرح الصدر وسعة العيش وسلامة البصر والبصيرة يوم القيامة.