وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أسلوب الملاطفة والإيناس والتمهيد الإلهي لموسى عليه السلام لإظهار المعجزة الكبرى؛ قال الطبري في جامع البيان (18/298)مصدر غير محدد١٨/٢٩٨: «يقول تعالى ذكره لموسى حين كلمه: وما هذه التي بيمينك يا موسى؟ وسأله ربه عنها وهو عالم بها وبما هي، وبما تصير إليه، ولكنه سأله عنها ليقرره بما في يده، ويعلمه أنه جماد وعصا، حتى إذا قلبها حية تسعى، استيقن حينئذ أنها آية عظيمة ومعجزة باهرة من عند الله تعالى، وأنه لا يقدر على مثل ذلك إلا خالق السماوات والأرض». وقال ابن كثير في تفسيره (5/271)مصدر غير محدد٥/٢٧١: «هذا برهان قطعي أظهره الله لموسى، وسؤال الله له عنها إنما كان على سبيل الإيناس والتنبيه والتقرير، ليريه خرق العادة فيها بعد تقريره بأنها عصا لا روح فيها ولا حركة». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/185)مصدر غير محدد١١/١٨٥: «سأله الله تعالى وهو أعلم بها من موسى، ولكن أراد أن يثبت في نفسه أنها عصا خشبية عادية، حتى إذا تحولت إلى حية ثعبان عظيم لم يشك في أنها معجزة، ولئلا يفجأه بالتحويل فيشتد فزعه». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «سأله الله عنها سؤال ملاطفة وإيناس، وتذكيراً له بحالها المألوفة، لتكون بعد ذلك معجزة باهرة وحجة قاهرة أمام فرعون وسحرته».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا السؤال اللطيف يمثل انتقالاً سلساً وبديعاً من التكليف بالرسالة والتحذير من هول الساعة، إلى تثبيت فؤاد موسى وتهيئته العملية؛ فبعد الرهبة العظيمة التي غمرت موسى عند سماع التكاليف العقدية الجليلة، جاء هذا السؤال اليومي البسيط عن أداة يحملها بيده ليحدث توازناً نفسياً وسكينة في روعه. والنظم هنا يتدرج بحكمة بالغة؛ فقبل أن يؤمر بمواجهة فرعون، كان لا بد من تزويده بالسلاح المعجز، وتدريبه عليه بحضور الرب المتعال، حتى لا يفاجأ به في ميدان الخصومة.