تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 341)جامع البيانالطبري١٨/٣٤١: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة والسدي أن الله تبارك وتعالى لما علم ما أوجسه موسى في نفسه، ناداه وثبته بالوحي الفوري: {قُلْنَا لَا تَخَفْ}: زال الخوف وانقطع الوجل، {إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ}: أي الغالب الظافر المنتصر على هؤلاء السحرة ومن وراءهم من أهل الكفر والشرك، ولن يعلوك بسحرهم ولا بجمعهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 310)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٠: يوضح ابن كثير أن التثبيت الإلهي جاء معقباً على وجس النفس مباشرة دون تراخٍ، فكان قوله: {إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ} وعداً حاسماً بالعلو والقهر والغلبة بالحجة والمعجزة والسلطان في الدنيا والآخرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 232)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٣٢: يبين القرطبي أن صيغة التوكيد في الآية تدل على أن العلو مكتوب ومقضي لموسى ودعوته قضاءً مبرماً لا مرية فيه، وأن كيد السحرة صائر إلى الزوال والمحق.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 267)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٦٧: يشير ابن عاشور إلى أن النداء الإلهي تضمن النهي عن الخوف: {لَا تَخَفْ} والتعليل المؤكد بالعلو: {إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ}، وهي أعظم بشرى تطمئن بها القلوب الوجلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
قُلْنَا: القول من الله تعالى وحي وتثبيت وتأييد.
لَا تَخَفْ: نهي عن الخوف، والمراد استئصال أسبابه وبث الأمان التام في روعه.
الْأَعْلَىٰ: اسم تفضيل من العلو، وهو الرفعة والغلبة والقهر والقرب من الله والظفر بالحق.
الإعراب والتركيب:
قُلْنَا: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع نا، ونا: ضمير متصل في محل رفع فاعل (وهو للتعظيم).
لَا: ناهية جازمة.
تَخَفْ: فعل مضارع مجزوم بـ لا وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة في محل نصب مقول القول.
إِنَّكَ: إنّ حرف مشبه بالفعل للتوكيد، والكاف: ضمير متصل في محل نصب اسمها.
أَنتَ: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو ضمير منفصل مبتدأ.
الْأَعْلَىٰ: خبر إنّ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر (أو خبر المبتدأ أنت والجملة خبر إنّ).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: اتصال مباشر بين وجس النفس الخفي في الآية السابقة وبين نزول السكينة والوحي في هذه الآية، فما إن أضمر موسى الخوف في نفسه حتى تداركته العناية الإلهية دون أدنى فاصل زمني.
التناسب البلاغي: إسناد القول إلى ضمير العظمة {قُلْنَا} للدلالة على أن التأييد صادر من القاهر فوق عباده الذي لا راد لقضائه، ثم تأكيد العلو بكل أدوات التوكيد رداً على قول السحرة السابق: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: السحرة قالوا: {مَنِ اسْتَعْلَىٰ}، والله قال لموسى: {إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ}، فما سر هذه المقابلة؟
دفع الشبهة وإيضاح الحكمة:
المقابلة في غاية البلاغة والإعجاز؛ فالسحرة طلبوا العلو الدنيوي بالقهر والغلبة والسحر، فجاء الرد الإلهي جازماً بأن العلو الحقيقي المطلق مقضي لموسى وحده.
صيغة {الْأَعْلَىٰ} على وزن أفعل التفضيل المقرون بأل تدل على استغراق كمال العلو، فلا علو يماثل علو صاحب الحق المؤيد بوحي الله، مما يبطل كل استعلاء للباطل ويسحقه.
التوكيدات المتتابعة: إنّ، وضمير الفصل أنت، وتعريف الخبر بـ أل الدال على الحصر والقصر: {إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ}.
إيجاز بليغ في النهي: {لَا تَخَفْ}؛ فالأمر صادر من مالك الملك، فمن خافه الله أمن من كل شيء.
التدبر الإشاري: إذا كانت عناية الله تحيط بالعبد، فلا ضير عليه من كيد الكائدين وسحر الساحرين؛ فالحق دائماً يعلو ولا يُعلى عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ثقة الداعية بوعد الله بالنصر والتمكين مهما انتفش الباطل واستعرض قواه ونظم صفوفه.
حتمية انتصار رسالة التوحيد على كل فلسفات الضلال وسحر العقول والأبصار.
الأثر التربوي والإيماني:
السكينة واليقين عند مواجهة الشدائد، واستشعار معية الله التي تبدد كل خوف وتطرد كل وجس في النفوس المؤمنة: {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.