فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ
يبين الله جل وعلا في هذه الآية لحظة المفاجأة الكبرى واللقاء القدسي المهيب؛ حيث بلغ موسى الشجرة التي رآها تتوقد ناراً، فباغته النداء الإلهي العظيم؛ قال الطبري في جامع البيان (18/286)مصدر غير محدد١٨/٢٨٦: «يقول تعالى ذكره: فلما جاء موسى النار التي رآها من جانب الطور الأيمن، وانتهى إليها، ناداه ربه جل جلاله فقال: يا موسى». وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما أتى موسى الشجرة، وقف متعجباً منها؛ شجرة خضراء ترتفع فيها نار بيضاء تتألق، فلا النار تحرق الخضرة، ولا رطوبة الخضرة تطفئ النار، فوقف حائراً خائفاً، فنودي من جانب الشجرة المباركة: يا موسى! ففزع موسى وقال: من هذا الذي يناديني باسمي؟». وقال ابن كثير في تفسيره (5/269)مصدر غير محدد٥/٢٦٩: «{فَلَمَّا أَتَاهَا} أي اقترب منها ووقف بإزائها، {نُودِيَ يَا مُوسَىٰ} ناداه ربه تبارك وتعالى بصوت سمعه بأذنه وفهمه بقلبه، كلاماً حقيقياً يليق بجلال الله، فخاطبه باسمه تشريفاً وتأنيساً له». وقال السعدي في تفسيره (ص 502)مصدر غير محدد٥٠٢: «نودي موسى في ذلك الموضع المبارك بالنداء الشريف الذي هو أشرف نداء تلقاه بشر، استجابة لاصطفاء الله له وتجهيزاً لحمل رسالة النبوة».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التعبير بالفاء العاطفة {فَلَمَّا أَتَاهَا} ليطوي المسافة الزمنية والمكانية طياً سريعاً؛ فلم يفصل القرآن في كيفية مشي موسى وبحثه عن النار، بل نقله مباشرة إلى لحظة الوصول والنداء. وهذا الإيجاز البديع يركز البؤرة على الحدث الأعظم: نداء الخالق للمخلوق؛ فالأحداث المادية تتضاءل وتتلاشى أمام جلال هذا الموقف الإلهي الفريد الذي تتكلم فيه الذات الإلهية العلية إلى عبد مصطفى من بني آدم.