كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة الباعث الأعظم والغاية الأسمى لجميع مطالب موسى السابقة؛ حيث كشف أن مقصده ليس مصلحة دنيوية ولا رياسة شخصية، بل الاستكثار من تسبيح الله وتنزيهه وتقديسه؛ قال الطبري في جامع البيان (18/321)مصدر غير محدد١٨/٣٢١: «يقول تعالى ذكره: إنما طلبت منك يا رب أن تجعل لي هارون وزيراً وتشد به أزري وتشركه في أمري، لكي ننزهك عما لا يليق بك من صفات النقص، ونقدسك ونعظمك كثيراً بالقول والعمل في بني إسرائيل ومع فرعون وقومه». وقال ابن كثير في تفسيره (5/273)مصدر غير محدد٥/٢٧٣: «{كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} أي: نقدسك ونعظمك؛ فإن الإعانة على الخير تورث قوة في الطاعة وكثرة في العبادة؛ فالمرء بإخوانه يستعين بهم على طاعة الله ويذكرونه إذا غفل». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «علم موسى عليه السلام أن مدار السعادة والنجاح هو عبادة الله وذكره؛ فطلب المعين على هذه الغاية العظمى؛ ليتعاونا على إقامة شعائر التوحيد وتسبيح الله في كل حين».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التتويج التعليلي بـ {كَيْ} يضع ميزان الأولويات النبوية في أوضح صوره؛ فكل الأدوات المطلوبة: انشراح الصدر، وتيسير الأمر، وحل العقدة، والوزير، وشراكة هارون، لم تكن غايات بذاتها، بل كانت وسائل مسخرة لغاية واحدة عظمى: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا}. والنظم هنا ينتقل من صيغة الإفراد التي استعملها في البداية (صدري، أمري، لساني) إلى صيغة الجمع والشركة: {نُسَبِّحَكَ... وَنَذْكُرَكَ}؛ ليدل على أن ثمرة الأخوة الصالحة هي مضاعفة الطاعات، ورفع وتيرة العبادة، وتطهير الأرض بذكر الله وتسبيحه.