اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
تتضمن هذه الآية الكريمة التكليف النهائي الصريح والمهمة التاريخية الكبرى التي انتدب لها كليم الله موسى عليه السلام؛ قال الطبري في جامع البيان (18/313)مصدر غير محدد١٨/٣١٣: «يقول تعالى ذكره لموسى: امض يا موسى إلى فرعون ملك مصر، فادعه إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وخوّفه بأس الله وعقابه؛ إنه تجبر وعتا، ومرد على ربه، وجاوز قدره، وادعى الربوبية والألوهية، وظلم عبادي واستعبدهم». وقال ابن كثير في تفسيره (5/272)مصدر غير محدد٥/٢٧٢: «{اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} أي: اذهب أنت بما أريتك من الآيات الكبرى، وبما أيدك الله به من البراهين، إلى فرعون ملك مصر، الذي عتا وتجبر وتمرد واستكبر، فأنذره وادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/193)مصدر غير محدد١١/١٩٣: «أمره الله تعالى بالمضي إلى فرعون، وهو أكبر ملوك الأرض في ذلك الوقت وأشدهم بطشاً وتكبراً؛ وعلل ذلك بقوله: {إِنَّهُ طَغَىٰ}؛ والطغيان مجاوزة الحد، وقد جاوز فرعون الحد في العتو والظلم حتى قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «هذا هو المقصود بإرساله؛ مواجهة الطغيان المستعلي وتخليص المستضعفين؛ أمره بالذهاب إلى فرعون الذي طغى وتجبر في الأرض، ليقفه عند حده بالحجة والبرهان، ويدعوه إلى التوحيد والعدل».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التوجيه الحاسم يمثل تتويجاً لجميع الآيات السابقة؛ فكل ما مضى من نداء الوادي المقدس، وإثبات التوحيد، وفرض الصلاة، والتحذير من الساعة، ومعجزتي العصا واليد، لم يكن ليعيش به موسى منعزلاً متعبداً في قمم الجبال، بل كان إعداداً وتسليحاً لمواجهة أعتى طغيان سياسي وعقائدي على وجه الأرض. والنظم القرآني يضع علة المواجهة واضحة جلية: {إِنَّهُ طَغَىٰ}؛ ليعلم موسى وتعلم الأمة من بعده أن رسالات السماء إنما تنزل لمقارعة الطغيان، وإحقاق الحق، ورفع الظلم عن المستضعفين، وإعادة البشرية إلى العبودية الخالصة لله رب العالمين.