تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 430)جامع البيانالطبري١٨/٤٣٠: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في شأن الشفاعة يوم القيامة: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ}: أي في ذلك اليوم العظيم لا تجدي شفاعة شافع نفعاً لأحد من الناس، {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ}: إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع، كالملائكة والأنبياء والصالحين، {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}: ورضي قوله وعمله؛ وهو من كان من أهل التوحيد والإخلاص الذين شهدوا أن لا إله إلا الله، فلا يُشفع لكافر ولا مشرك بوجه من الوجوه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 341)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤١: يوضح ابن كثير شرطي الشفاعة المثبتة في كتاب الله؛ وهما: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له؛ كما قال تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ}، فتبطل بذلك شفاعة الأصنام والأنداد التي كان يرجوها المشركون في الجاهلية.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 321)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٢١: يبين القرطبي أن قوله: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ} يحتمل أن يعود على الشافع؛ أي لا يشفع أحد إلا بإذن الله، ويحتمل أن يعود على المشفوع له؛ أي لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من أذن الله بالشفاعة له، وكلا المعنيين حق صحيح مقرر في نصوص الشريعة.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 337)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٣٧: يشير ابن عاشور إلى أن تخصيص اسم {الرَّحْمَٰنُ} هنا للدلالة على أن الشفاعة مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية الفياضة؛ فالشفاعة فضل من الرحمن يتكرم به على الموحدين من عباده العصاة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
الشَّفَاعَةُ: الشفاعة: مشتقة من الشفع وهو جعل الفرد زوجاً، واصطلاحاً: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة عند من يملك ذلك.
أَذِنَ: الإذن: إعطاء الرخصة والإجازة والرغبة.
رَضِيَ: الرضا: نقيض السخط، وهو هنا قبول القول والتصديق به.
الإعراب والتركيب:
يَوْمَئِذٍ: يوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ تنفع، وإذ مضاف إليه مبني على السكون وحرك بالكسر للتنوين.
لَّا: نافية لا عمل لها.
تَنفَعُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة.
الشَّفَاعَةُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
إِلَّا: أداة استثناء وحصر.
مَنْ: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء (أو بدل من الشفاعة على حذف مضاف تقديره إلا شفاعة من، أو في محل نصب مفعول به لـ تنفع إن كان المراد المشفوع له).
قَوْلًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة (أي رضي قوله وتوحيده).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد بيان خشوع الأصوات في المحشر، حسمت الآية مسألة الوساطات والدعاوى الباطلة التي يتعلق بها أهل الإجرام؛ فبينت أن الشفاعة ملك لله وحده لا يملكها أحد إلا بإذنه ورضاه.
التناسب البلاغي: الاستثناء بعد النفي المستغرق {لَّا تَنفَعُ... إِلَّا} لقصر نفع الشفاعة على الإذن الرباني والرضا عن الموحدين، وقطع أطماع المشركين الذين قالوا: {هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل تنفي الآية الشفاعة بالكلية كما يزعم بعض أهل البدع كالخوارج والمعتزلة؟
دفع الشبهة وتقرير مذهب أهل السنة والجماعة:
الآية لم تنفِ الشفاعة مطلقاً، بل استثنت استثناءً صريحاً: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}، فالمنفي هو الشفاعة الشركية الجاهلية التي يزعم أهلها أنها تقع بغير إذن الله أو للمشركين.
تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات شفاعته العظمى لفصل القضاء، وشفاعته لأهل الكبائر من أمته الموحدين حتى يخرجوا من النار، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي".
القصر والحصر بـ (لا وإلا) لإبطال تعلق القلوب بغير الله وتجريد التوحيد.
تنكير {قَوْلًا} لإفادة العموم في كلمة التوحيد والإخلاص التي يرضاها الله.
التدبر الإشاري: الشفاعة يوم القيامة ليست معاملة ضغط على الملك الجبار كملوك الدنيا، بل هي محض إكرام من الله للشافع ورحمة بالمشفوع له؛ فالأمر كله لله من قبل ومن بعد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تصحيح مفهوم الشفاعة عند العامة وتحذيرهم من الغلو في الصالحين والطلب منهم في قبورهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
بيان أن نيل الشفاعة يستلزم تحقيق التوحيد الخالص لله وإخلاص الدين له.
الأثر التربوي والإيماني:
الحرص على الثبات على كلمة التوحيد وسنة النبي صلى الله عليه وسلم رجاء الفوز بشفاعته ومغفرة الرحمن في ذلك اليوم العصيب.