تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 392)جامع البيانالطبري١٨/٣٩٢: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن هارون عليه السلام لم يسكت على فتنتهم ولم يقاررهم على الشرك، بل قام فيهم خطيباً وناصحاً ومحذراً منذ أول لحظة أخرج فيها السامري العجل وقبل رجوع موسى إليهم: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ}: أي من قبل رجوع موسى، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ}: إنما اختبرتم وابتليتم بهذا العجل ليميز الله المؤمن من الكافر، {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ}: ليس هذا العجل ربكم، بل ربكم هو الرحمن الرحيم خالق السماوات والأرض الذي أفاض عليكم النعم، {فَاتَّبِعُونِي}: على ديني وتوحيدي، {وَأَطِيعُوا أَمْرِي}: في اعتزال عبادة هذا الصنم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 330)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٠: يبين ابن كثير براءة هارون عليه السلام التامة من مداهنة الشرك أو التقصير في البلاغ؛ فقد بذل وسعه وأنذرهم وحذرهم وقاومهم بالكلمة والدعوة، ونبههم إلى أن صنيعهم فتنة وامتحان، ولكن القوم استضعفوه وكادوا يقتلونه وتمردوا على أمره.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 282)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٨٢: يوضح القرطبي أن قوله: {مِن قَبْلُ} شهادة إلهية وبرهان قرآني ساطع على قيام هارون بواجبه الدعوي والإرشادي قبل عودة موسى؛ رداً على ما قد يُتوهم من لومه أو عتاب موسى له لاحقاً.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 304)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٠٤: يشير ابن عاشور إلى بلاغة تذكيرهم باسم الله {الرَّحْمَٰنُ}؛ لأن سياق النعم والإنجاء والمن والسلوى تجليات لرحمة الرحمن، فكيف يتركون الرحمن الرحيم ويعبدون عجلاً لا ينفع ولا يضر؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
مِن قَبْلُ: قبل رجوع موسى إليهم ومعاينته للحدث.
فُتِنتُم: الفتنة: الابتلاء والسقوط في الإثم والضلال.
الرَّحْمَٰنُ: صفة الذات الدالة على سعة الرحمة الإلهية واستغراقها لكل خير.
الإعراب والتركيب:
وَلَقَدْ: الواو استئنافية، واللام للقسم، وقد: حرف تحقيق.
قَالَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ قال.
هَارُونُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة دون تنوين لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
مِن قَبْلُ: جار ومجرور مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى، متعلق بـ قال.
يَا قَوْمِ: يا حرف نداء، وقومِ منادى مضاف بفتحة مقدرة، والياء المحذوفة مضاف إليه.
إِنَّمَا: كافة ومكفوفة أداة حصر.
فُتِنتُم: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، والميم للجمع.
بِهِ: جار ومجرور متعلق بـ فتنتم.
وَإِنَّ: الواو عاطفة، وإنّ حرف توكيد ونصب.
رَبَّكُمُ: اسم إنّ منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والكاف: مضاف إليه.
الرَّحْمَٰنُ: خبر إنّ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
فَاتَّبِعُونِي: الفاء فصيحة، واتبعوني فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به.
وَأَطِيعُوا: معطوف على اتبعوني مبني على حذف النون، والواو فاعل.
أَمْرِي: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة، والياء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: إبراز الموقف القيادي والدعوي لنبي الله هارون عليه السلام، وتبرئته من كل تقصير؛ فقد واجه الفتنة في مهدها بالحجة والموعظة والتحذير الصريح.
التناسب البلاغي: استخدام النداء الملاطف {يَا قَوْمِ} لاستمالة قلوبهم، ثم الحصر بـ {إِنَّمَا} لكشف حقيقة العجل بأنه وسيلة فتنة واختبار، ثم الربط بالرحمن لإثارة الحياء من المنعم العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: يزعم بعض أهل الكتاب في كتبهم المحرفة أن هارون هو الذي صنع العجل لبني إسرائيل ودعاهم إلى عبادته!
دفع الفرية وتبرئة القرآن لنبي الله هارون:
القرآن الكريم صريح في تكذيب هذه الفرية التوراتية المحرفة؛ فبين بجلاء أن صانع العجل هو السامري المنافق: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ}.
سجل القرآن شهادة التبرئة القاطعة لهارون وأنه أنكر عليهم منذ اللحظة الأولى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ}.
عصمة الأنبياء من الشرك وصناعته أصل قطعي عند أهل السنة والجماعة، وما نسبه أهل الكتاب لهارون من أبشع التحريفات التي تشهد بصدق القرآن وهيمنته وتنزيهه للأنبياء عن النقائص.