تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 378)جامع البيانالطبري١٨/٣٧٨: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد في جواب موسى لربه حين سأله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ}: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي}: أي هم قريبون مني يتبعون أثري وسيقدمون بعدي قريباً، وإنما استخلفت عليهم هارون وأمرتهم بالمجيء، {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}: أي أسرعت المسير إليك يا رب طلباً لرضاك وزيادة في طاعتك؛ لعلمي أن المسارعة في طاعتك ومناجاتك هي أحب الأعمال إليك وأرضاها لك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 324)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٤: يبين ابن كثير كمال أدب موسى وفقهه؛ فإنه اعتذر عن تركه لقومه بأنهم قريبون في أثره لم يبتعدوا عن الجادة، ثم كشف عن الباعث الحقيقي لعجلته وهو محبة الله والرغبة العارمة في نيل كمال رضوانه: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 268)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٦٨: يذكر القرطبي أن هذه الكلمة من كليم الله: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} صارت شعاراً لكل المحبين والعابدين المسارعين إلى طاعة الله، واحتج بها الفقهاء على استحباب المسارعة إلى أداء الصلاة في أول وقتها والمبادرة إلى الحج وسائر القربات.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 293)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٩٣: يوضح ابن عاشور أن التعبير بـ {إِلَيْكَ} فيه تجريد لطيف لمعنى قصد المكان المقدس (الطور) إلى قصد الله تعالى ومناجاته والتقرب إليه، وهو منتهى الفناء في محبة الله وإرادة وجهه الكريم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
هُمْ أُولَاءِ: أولاء: اسم إشارة للجمع، وتستعمل في الحاضر القريب المشاهد.
أَثَرِي: الأثر: موطئ القدم، وعلى أثري أي خلفي يقتدون بمسيري ويتبعون خطاي.
عَجِلْتُ: أسرعت وبادرت.
لِتَرْضَىٰ: اللام لام التعليل، والرضا: ضد السخط، وهو صفة كمال لله تعالى تليق بجلاله.
الإعراب والتركيب:
قَالَ: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر تقديره موسى.
هُمْ: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
أُولَاءِ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ (أو بدل).
عَلَىٰ أَثَرِي: جار ومجرور في محل نصب حال من اسم الإشارة (أو متعلق بمحذوف خبر)، والياء مضاف إليه.
وَعَجِلْتُ: الواو عاطفة، وعجلت فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعل.
إِلَيْكَ: جار ومجرور متعلق بـ عجلت.
رَبِّ: منادى مضاف بحرف نداء محذوف، منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف.
لِتَرْضَىٰ: اللام لام التعليل، وترضى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ عجلت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: كمال التجاوب بين السؤال الإلهي والجواب النبوي الصادق المخلص؛ اعتذار بالواقع الإداري والتنظيمي أولاً، ثم كشف عن العلة الروحية العظمى للمسارعة.
التناسب البلاغي: حذف النداء في {رَبِّ} لشدة القرب والمناجاة والخشوع بين يدي الله، وتقديم الجار والمجرور {إِلَيْكَ} لبيان إخلاص القصد وأن العجلة لم تكن لشأن من شؤون الدنيا بل كانت إلى الله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل العجلة مذمومة دائماً لقوله عليه الصلاة والسلام: "التأني من الله والعجلة من الشيطان"، فكيف يمدح موسى نفسه بها؟
دفع الشبهة والتمييز العلمي:
العجلة المذمومة هي العجلة في أمور الدنيا بغير روية ولا تثبت، أو التعجل في استباق المقادير قبل أوانها أو فيما لم يؤمر به العبد.
أما العجلة في طاعة الله والمسارعة إلى التوبة والصلوات والخيرات فهي محمودة مأمور بها شرعاً، كما قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}، وقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}.
قول موسى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} حجة قاطعة على أن المبادرة إلى مواسم الطاعات هي من صميم العبودية المحبوبة عند الله.
تقديم الإشارة بالقريب {أُولَاءِ} لإشعار السامع بقربهم منه وأنهم لم يبتعدوا.
التعليل بـ {لِتَرْضَىٰ} وهو من أرقى أساليب الخطاب العبودي؛ فالغاية الأولى والوحيدة هي رضا الرب لا حظ النفس.
حذف ياء المتكلم في {رَبِّ} لدلالة التذلل والاستكانة وسقوط الكلفة في مقام القرب.
التدبر الإشاري: ما أعذب هذه الكلمة حين تخرج من قلب مشتاق: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}؛ فلتكن هذه الكلمة قائدة المؤمن في صلاته وبكره وأسحاره ونفقاته؛ مبادرة لا تعرف التردد والفتور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ترسيخ مبدأ المسارعة في الخيرات والمنافسة في القربات دون تسويف ولا تأجيل.
جعل رضا الله هو الغاية الكبرى والبوصلة الموجهة لكل حركة وسكون في حياة المسلم والداعية.
الأثر التربوي والإيماني:
فيضان المحبة الإلهية في قلب العبد، والشوق إلى أوقات المناجاة والخلوة بالقرآن والذكر؛ اقتداءً بكليم الله موسى عليه السلام.