أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن كثير عن مجاهد وقتادة والضحاك: "هذا هو القسم المحمود من الأعراب؛ وهم أهل الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر؛ كقبائل مزينة وجهينة وأسلم وغفار، الذين سارعوا إلى نصرة رسول الله ﷺ في تبوك وبذلوا صدقاتهم عن رضا وإخلاص".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: "قريش، والأنصار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، مواليّ، ليس لهم مولى دون الله ورسوله".
تفسير "صَلَوَاتِ الرَّسُولِ" وتزكية القرآن لها:
صلوات الرسول: دعواته واستغفاره وبركته وترحمه عليهم؛ مأخوذة من قوله تعالى في الآية (103): {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}.
وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان"، كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم"، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
وجاء التصديق والتقرير الإلهي العظيم: {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ}؛ شهد الله من فوق سبع سماوات بأن نفقتهم مقبولة مقربة إلى رضوانه وجنته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة الإنصاف القرآني وتوازن الأحكام: لم يترك القرآن أهل البادية تحت وطأة الذم العام الذي جاء في الآية (97-98)، بل بادر فوراً بهذا الثناء العاطر على مؤمنيهم الصادقين؛ ليعلم العالم أن الإسلام دين العدالة الموضوعية؛ لا يغمط مؤمناً حقه مهما كانت بيئته، ولا يحابي عاصياً مهما كان نسبه.
التناسب الإيقاعي والبشائر الثلاث: زف الله لهؤلاء الأعراب المؤمنين ثلاث بشائر كبرى:
الوعد المؤكد بالدخول في الرحمة والجنات: {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ}.
التذييل بالمغفرة والرحمة الجامع العامة: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب بركة دعاء الرسول ﷺ وأنه شرك أو تعلق بغير الله: يزعم بعض الغلاة أو المشككين أن طلب دعاء الرسول وصلاته تعلق بغير الله ينافي التوحيد!
الدفع والمحاكمة العقدية الصافية:
الآية الكريمة صريحة في مدح المؤمنين الذين قصدوا بنفقتهم نيل دعاء النبي ﷺ واستغفاره لهم: {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ}، والله تعالى أقرهم على ذلك وأثنى عليهم وبشرهم بـ {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ}؛ لأن طلب الدعاء من الحي الحاضر الصالح، وخاصة سيد الخلق ﷺ المستجاب الدعوة، من أعظم أسباب التوسل المشروع الذي أذن الله به وأمر به النبي ﷺ في قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}. فالدعاء وسيلة وشفاعة، والمجيب والمعطي والمعين هو الله وحده لا شريك له.
المنافق ينفق المال وهو يعده "مغرماً" وخسارة تثقل كاهله.
والمؤمن ينفق نفس المال وهو يعده "قربات" ترفعه درجات عند ربه.
فالعمل الحسي واحد (دفع الدراهم)، لكن النية القلبية هي التي صيّرته إما في أسفل درك من النفاق أو في أعلى عليين من الرضوان.
السين المؤكدة في {سَيُدْخِلُهُمُ} وتنكير الرحمة أو تعريفها: تدل على تحقق الإدخال في الجنة، والتعبير بالرحمة يشير إلى أن الجنة ونعيمها إنما هي ظل رحمته سبحانه وتعالى التي وسعت كل شيء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار النية في الصدقات والإنفاق: على المسلم أن يستحضر عند إخراج أي صدقة أنها قربة يبتغي بها وجه الله ورضوانه، وأن يستبشر بفضل الله وبركة دعاء الصالحين له.
الإنصاف في تقييم الناس والمجتمعات: دعوة للدعاة والمصلحين أن لا يحكموا على قبيلة أو بلد أو طبقة اجتماعية بحكم عام جائر، بل يبحثوا عن بذور الخير ويثنوا على الصالحين ويكرموا أهل الإيمان في كل بقعة.