أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة". وفي الصحيحين أيضاً: "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض!".
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/181): "{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ} أي: هيأ وجهّز لهؤلاء المؤمنين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} بساتين وقصوراً ونعيماً مقيماً، {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يخرجون منها ولا يحولون عنها، {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الذي لا فوز يساميه ولا نعيم يدانيه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة الفعل "أَعَدَّ" لغة:
أعدّ يُعِدُّ إعداداً: هيّأ وجهّز وأحكم الصنعة مسبقاً استعداداً للنزيل المكرم؛ والتعبير به يدل على كمال العناية والاحتفاء الإلهي بهؤلاء المجاهدين؛ فالنعيم ليس وليد اللحظة بل مهيأ ومفصل بحسب كمال كرم الله وفضله لأوليائه الصادقين.
الإعراب المفصل:
"أَعَدَّ": فعل ماض مبني على الفتح.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
"لَهُمْ": جار ومجرور متعلق بـ "أعدّ".
"جَنَّاتٍ": مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
"تَجْرِي": فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة للثقل.
"مِن تَحْتِهَا": جار ومجرور متعلق بـ "تجري"، والهاء مضاف إليه.
"الْأَنْهَارُ": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة "تجري من تحتها الأنهار" في محل نصب نعت لـ "جنات".
"خَالِدِينَ": حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم من الضمير المجرور في "لهم".
"فِيهَا": متعلق بـ "خالدين".
"ذَٰلِكَ": اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
"الْفَوْزُ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
"الْعَظِيمُ": نعت لـ "الفوز" مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل ما أُجمل في "الخيرات": في الآية السابقة قال: {وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} على سبيل الإجمال والتعظيم، فجاءت هذه الآية الكريمة لتفصل رأس تلك الخيرات وأجلّها وهو الجنات المخلدة والأنهار الجارية، لتقر بها أعين العاملين.
المقابلة بين جزاء المتخلفين وجزاء المجاهدين: قابل بين مأوى المنافقين المطبوع على قلوبهم وهو جهنم وبئس المصير والعذاب المقيم، وبين مأوى المجاهدين وهو الفوز العظيم والجنات الخالدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحقاق الجنة بمجرد العمل المجرد دون الفضل الإلهي: قد يتوهم واهم أن الجهاد يعطي العبد حقاً لازماً يوجب الجنة على الله بذاته!
الدفع والمحاكمة السنية الدقيقة:
العمل الصالح والجهاد سبب لدخول الجنة ومنازلها، ولكن دخول الجنة أصالة إنما هو برحمة الله وفضله؛ كما في الحديث الصحيح: "لن يُدخل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".
والتعبير بـ {أَعَدَّ اللَّهُ} ينسب التفضل والتهيئة والإكرام إلى الله تبارك وتعالى وحده، فالعبد إنما بذل نفساً ومالاً هما ملك لله أصلاً، فأكرمه الله وقبل منه القليل وأعطاه النعيم الجزيل المقيم بفضله وجوده.
دلالة "من تحتها" في جريان الأنهار: تصوير جمالي بديع لحركة الأنهار الجارية بين أصول الأشجار والقصور دون حفر ولا شق، كما جاء في الآثار أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود.
الإشارة بالبعيد في {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: تفيد علو رتبة هذا الفوز وسمو شأنه وبعد منزلته عن أن تدركها الأوهام والأبصار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استرخاص التضحيات في جنب النعيم المقيم: كل ما يلاقيه المجاهد في سبيل الله من حر الصيف وعطش الهواجر ونقص الأموال وآلام الجراح يتبدد ويتلاشى عند أول غمسة في أنهار الجنة ورؤية قصور الرضوان.
تثبيت قلوب العاملين لدين الله: هذه البشائر الربانية تمثل وقوداً إيمانياً لا ينفد، يثبت الدعاة والمصلحين في أوقات الغربة والابتلاء.