أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والواحدي والحاكم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: أن الصحابة رضي الله عنهم لما نزل تحريم الاستغفار للمشركين في الآية (113)، خافوا خوفاً شديداً على أنفسهم وقالوا: يا رسول الله، لقد استغفرنا لموتانا من المشركين ومات آباؤنا وأقاربنا ونحن نستغفر لهم قبل أن ينزل هذا التحريم، فهل هلكنا وضللنا ووقعنا في الإثم وسخط الله؟! فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة طمأنة لقلوبهم وبياناً لعدله ورحمته: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}.
القاعدة التشريعية الكبرى في عدم المؤاخذة قبل البيان:
قرر أئمة التفسير والأصول (ابن كثير، الشافعي، القرطبي، الشاطبي) أن هذه الآية أصل عظيم من أصول الشريعة؛ وهو أن الله تعالى لا يؤاخذ عباده، ولا ينسبهم إلى الضلال والإثم والعقاب، في أمر لم يسبق منه بيان بتحريمه والنهي عنه؛ فالتكليف والمؤاخذة متوقفان على بلوغ الحجة وبيان الحكم الشرعي؛ كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لام الجحود ودلالتها على كمال العدل الإلهي:
اللام في {لِيُضِلَّ}: لام الجحود المسبوقة بكون منفي {وَمَا كَانَ اللَّهُ}؛ وهي تفيد النفي المؤكد القاطع المستغرق؛ أي: يستحيل في عدل الله ورحمته وسننه الربانية أن يقضي بضلال قوم أو يعذبهم على فعل أقدموا عليه قبل أن ينزل عليهم أمره ونهيه وبيانه الواضح لما يجب عليهم اتقاؤه واجتنابه.
الإعراب المفصل:
"وَمَا": الواو استئنافية، "ما" نافية.
"كَانَ اللَّهُ": ماض ناقص ولفظ الجلالة اسمه مرفوع بالضمة.
"لِيُضِلَّ": اللام للجحود، "يضلّ" مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد لام الجحود، والفاعل مستتر تقديره هو، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بمحذوف خبر كان (مريداً أو قاصداً لإضلالهم).
"قَوْمًا": مفعول به لـ "يضل" منصوب بالفتحة.
"بَعْدَ": ظرف زمان منصوب متعلق بـ "يضل"، وهو مضاف.
"إِذْ": اسم ظرفي مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
"هَدَاهُمْ": فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر تقديره هو، وهم مفعول به، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "إذ".
"حَتَّىٰ": حرف غاية وجر.
"يُبَيِّنَ": مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والفاعل مستتر تقديره هو.
"لَهُم": متعلق بـ "يبين".
"مَّا": اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ "يبين".
"يَتَّقُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول (حتى بيانه) في محل جر بـ "حتى".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سكب الطمأنينة بعد الرهبة العقدية الصارمة: جاءت هذه الآية بلسماً شافياً لقلوب المؤمنين الوجلة؛ فبعد أن شدد النكير على الاستغفار للمشركين وتبرأ إبراهيم من أبيه، كاد الخوف يخلع قلوب الصحابة مما سلف منهم من استغفار، فبين الله أن ما كان قبل نزول النهي معفو عنه مغفور؛ لأن الله لا يضل ولا يؤاخذ إلا بعد البيان والإنذار.
التذييل بـ {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: عليم بنياتكم الصادقة حين استغفرتم لموتاكم قبل التحريم، عليم بحاجة العباد إلى البيان والتشريع، عليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الخذلان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة "الإضلال" إلى الله تعالى: كيف يقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا}، وهل الله يضل الناس؟
الدفع والمحاكمة العقدية السنية الصافية:
مذهب أهل السنة والجماعة أن الهداية والإضلال بيدي الله تعالى؛ يهدي من يشاء فضلاً ورحمة، ويضل من يشاء عدلاً وحكمة.
وإضلال الله للعبد ليس ظلماً حاشا لله، بل هو خذلانه وتخليته بين العبد وبين نفسه الأمّارة بالسوء إذا اختار العبد الباطل بعد أن جاءه البيان وعاند الحجة؛ قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. والآية تقرر كمال عدله بأنه لا يخذل قوماً ولا يحكم بضلالهم إلا بعد أن يقيم عليهم الحجة الرسالية القاطعة ويبين لهم محارمه، فإن تمردوا بعد البيان استحقوا الإضلال والعقوبة بعدله.
الغاية بـ "حَتَّى" في {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}: حرف الغاية هنا يحدد الخط الفاصل بين العفو والمؤاخذة؛ فما قبل البيان عفو ورحمة، وما بعد البيان إلزام ومسؤولية ومحاسبة.
التنكير في "قَوْمًا" والإطلاق في "مَّا يَتَّقُونَ": يفيد عموم الحكم لكل أمة وجماعة ومكلف في كل زمان ومكان، واستغراق كل ما يجب اتقاؤه من كبائر وصغائر وبدع ومنكرات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قاعدة العذر بالجهل وسماحة الإسلام: ترسيخ القاعدة الأصولية الكبرى: "لا تكليف إلا ببيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار"، ووجوب عذر الجاهل والناشئ في بادية بعيدة أو حديث العهد بالإسلام حتى يُعلّم ويُقام عليه الدليل الشرعي بالحكمة والموعظة الحسنة.
مسؤولية البلاغ والبيان على العلماء والدعاة: إذا كان الله لا يؤاخذ الناس إلا بعد البيان، فإن الواجب الأكبر على حملة الشريعة والعلماء هو تبليغ دين الله وبيان الحلال والحرام بوضوح لا لبس فيه، حتى لا تبقى للبشر حجة على الله بعد الرسل.