أسباب النزول ومرويات الباب واستجابة الصحابة المذهلة: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن مجاهد وقتادة والحسن والضحاك في قوله: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}: أي شباباً وشيوخاً، نشاطاً وغير نشاط، أغنياء وفقراء، عزباناً ومتأهلين، ركباناً ومشاة، صحاحاً ومرضى؛ استنفر الله الناس جميعاً في غزوة تبوك فلم يرخص لأحد قادر على حمل السلاح.
مواقف تاريخية خالدة في تطبيق الآية:
أخرج ابن المبارك في كتاب الجهاد وابن إسحاق عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه كان يغزو الروم حتى كبرت سنه، وكان يقول: «قال الله تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}، فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً!» حتى استشهد ودفن عند أسوار القسطنطينية.
وأخرج الطبري عن صفوان بن عمرو قال: رأيت بدمشق شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه على عينيه من أهل حمص، وهو على راحلته يريد الغزو، فقلت له: يا عم، لقد عذرك الله! فرفع حاجبيه وقال: «يا ابن أخي، استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إن من أحبه الله ابتلاه!».
وأخرج ابن أبي حاتم عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أنه رئي في حمص وهو جالس على تابوت صيرفي وقد فضل عنه من ثقله، وهو يريد الغزو، فقيل له: قد عذرك الله، فقال: «أتت علينا سورة البحوث: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}».
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 267)جامع البيانالطبري١٤/٢٦٧: استنفر الله المؤمنين في هذه الآية بأشمل استنفار؛ خفافاً لقلة العيال والفقر والنشاط، وثقالاً لكثرة العيال والغنى والاشتغال والمشقة وكبر السن؛ مبيناً أن النفير فرض لازم وبذل الأموال والأنفس خير لهم في الدنيا والآخرة إن كانوا من أهل العلم والبصيرة.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 154)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٤: أمر تعالى بالنفير العام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لمناجزة أعداء الله الروم النصارى، وحتم على المؤمنين الخروج على أي حال كانوا؛ ثم نسخ هذا الوجوب الجامع العام الكلي بآيات العذر في آخر السورة: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ...}، وبقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً}، فصار الجهاد فرض كفاية إلا إذا استنفر الإمام أو حاصر العدو بلداً فإنه يتعين على الجميع خفافاً وثقالاً.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 179)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٧٩: الآية أصل في شمول التكليف؛ فالخفيف من قل عليه حمله، والثقيل من ثقل عليه خروجه لمرض أو شغل أو كبر أو فقر؛ واستدل بها على أن الفقر لا يسقط فريضة الجهاد إذا وجد ما يبلغ به.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 338)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٨: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}؛ لأن مشقة الطاعة تزول ويبقى ثوابها العظيم، وراحة المعصية تزول ويبقى وزرها وعارها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
خِفَافًا: جمع خَفِيف، من الخِفّة ضد الثقل؛ وهو من يسهل عليه النفير لقلة عياله أو نشاطه أو شبابه أو فقره من المتاع.
وَثِقَالًا: جمع ثَقِيل، من الثِّقَل؛ وهو من يصعب عليه النفير لكبر سنه أو كثرة عياله أو عظم ماله وتجارته أو لضعف في بدنه.
الإعراب التفصيلي:
انفِرُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
خِفَافًا: حال أولى من الواو منصوبة بالفتحة الظاهرة.
وَثِقَالًا: معطوف على خفافاً منصوب بالفتحة (أو حال ثانية).
ذَٰلِكُمْ: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
خَيْرٌ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
لَّكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ خير.
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ: إن شرطية، كنتم فعل ماض ناقص اسمها التاء في محل جزم فعل الشرط، وجملة تعلمون خبر كان في محل نصب؛ وجواب الشرط محذوف تقديره (فاعلموا وانفروا).
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نصب {خِفَافًا وَثِقَالًا} على الحالية، ونظم الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة كل المعاذير الشخصية: الآيات السابقة (38-40) حطمت حواجز التثاقل وذكّرت بنصر الغار، وجاءت هذه الآية (41) بأمر حاسم قاطع لا يستثني أحداً: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}؛ لتسد كل منافذ الأعذار النفسية والاجتماعية التي قد يتذرع بها أحد من شباب أو شيوخ أو أغنياء أو فقراء.
تقديم المال على النفس في الجهاد: كرر القرآن تقديم الجهاد بالمال على النفس؛ لأن تجهيز الجيوش في الغزوات البعيدة (كغزوة تبوك) يتوقف أساساً على المال والزاد والسلاح والركائب، ولأن كل قادر يستطيع بذل المال، بينما القتال بالنفس مقصور على فئات محددة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تكليف ما لا يطاق وإلزام الضعفاء بالقتال:
قد يظن من يقرأ الآية بمعزل عن سائر القرآن أن الإسلام يكلف الأعمى والأعرج والشيخ الهرم بالقتال قسراً.
الرد والتحقيق الأصولي المحكم:
القرآن يفسر بعضه بعضاً؛ وهذه الآية مطلقة قيدتها وخصصتها آيات الأعذار الصريحة في السورة عينها وفي سورة الفتح: {لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}؛ فلا تكليف بما يخرج عن الوسع والطاقة {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
المراد بـ {ثِقَالًا} في الآية: الثقل النسبي الذي يدخل تحت الطاقة والوسع مع المشقة (كالشغل العارض، والحر، وكثرة العيال، ونقص المال المعتاد، والسن المتقدمة التي ما زال صاحبها قادراً على الركوب والخدمة)؛ فهؤلاء لا يجوز لهم التخلف بالكسل والركون للدعة.
استجابة الصحابة الشيوخ (كأبي أيوب والمقداد) كانت من باب العزيمة والاستباق لمرضاة الله، وليس إكراهاً بما لا يطاق.
الطباق الإعجازي بين {خِفَافًا} و{وَثِقَالًا}: جمع بين الضدين ليفيد العموم والشمول المطلق لكل الأحوال والأوقات؛ أي انفروا في كل حال ونشاط وسرور ومشقة.
التنكير في الحالين: لإشاعة الوصف في كل جزئيات الخفة والثقل المادية والمعنوية.
التعليق على العلم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: إشعار بأن إدراك خيرية الجهاد والمشقة يحتاج إلى علم نافع وبصيرة إيمانية نافذة؛ أما قاصر النظر فيرى المشقة الحاضرة ويفوته النعيم الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
روح المبادرة ونبذ الأعذار: الداعية والمجاهد الحقيقي هو الذي يبادر للواجب في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، ولا ينتظر الأوقات الرخية السهلة ليقدم دينه.
الجهاد بذل متكامل: الجهاد لا يقتصر على حمل السلاح، بل يبدأ بالمال واللسان والإعداد والهمة؛ وكل مسلم عليه ثغرة يجب أن يسدها خفيفاً أو ثقيلاً.