{قَوْمِ نُوحٍ}: أغرقهم الله بالطوفان الذي استوعب الأرض كلها لما استكبروا عن دعوة نوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عاماً.
{وَعَادٍ}: قوم هود، أهلكهم الله بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فتركهم كأعجاز نخل خاوية.
{وَثَمُودَ}: قوم صالح، أهلكهم الله بالصيحة والرجفة لما عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم.
{وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ}: سلب الله ملك النمروذ بن كنعان وجعله آية، وأهلكه بأحقر خلقه (بعوضة) بعد أن حاجّ إبراهيم في ربه.
{وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ}: قوم شعيب، أهلكهم الله بعذاب يوم الظلة والصيحة والرجفة لبخسهم المكيال والميزان وقطعهم السبيل.
{وَالْمُؤْتَفِكَاتِ}: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هم قوم لوط، وسميت قراهم بالمؤتفكات لأن جبريل عليه السلام رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. والائتفاك في لغة العرب هو الانقلاب.
تفسير السلف للعدل الإلهي في {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}: بيّن الطبري وابن كثير والقرطبي أن الله تبارك وتعالى قطع معاذير البشرية؛ فلم يعذب قوماً إلا بعد إرسال الرسل المؤيدين بالمعجزات والبراهين الساطعة: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ}، ولكنهم لما ظلموا أنفسهم بالكفر والتكذيب استوجبوا العقوبة العادلة فحق عليهم القول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "النَّبَأ" و"الْمُؤْتَفِكَاتِ" لغة:
النَّبَأ: هو الخبر العظيم ذو الشأن البالغ والخطورة والأهمية، وليس كالخبر العادي اليومي.
الْمُؤْتَفِكَاتِ: جمع مؤتفكة، اسم فاعل من ائتفك الشيء إذا انقلب وتحول عن وجهه، وافتعل هنا تدل على شدة الانقلاب وزوال الهيئة.
لام الجحود في {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}:
اللام في {لِيَظْلِمَهُمْ} هي لام الجحود (الإنكار الشديد)، المسبوقة بكون منفي (ما كان)، وهي تؤكد انتفاء وقوع الظلم من الله انتفاءً مطلقاً مستحيلاً؛ لأن الظلم مستحيل في حقه تعالى لكمال عدله وغناه وحكمته، والمضارع بعدها منصوب بأن مضمرة وجوباً.
"وَعَادٍ وَثَمُودَ...": معطوفات مجرورة، وثمود مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث (أو بالكسر على الصرف لكونه اسماً للحي).
"أَتَتْهُمْ": فعل ماض، والتاء للتأنيث، وهم مفعول به.
"رُسُلُهُم": فاعل مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه، والجملة مستأنفة أو حالية.
"بِالْبَيِّنَاتِ": جار ومجرور متعلق بـ "أتتهم".
"فَمَا": الفاء عاطفة تفريعية، "ما" نافية.
"كَانَ اللَّهُ": ماض ناقص ولفظ الجلالة اسمه.
"لِيَظْلِمَهُمْ": اللام للجحود، ومضارع منصوب بأن مضمرة، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بمحذوف خبر كان (مريداً أو قاصداً لظلمهم).
"وَلَٰكِن": الواو عاطفة، "لكن" حرف استدراك لا عمل له.
"كَانُوا": ماض ناقص واسمه.
"أَنفُسَهُمْ": مفعول به مقدم لـ "يظلمون" منصوب بالفتحة للاهتمام والحصر.
"يَظْلِمُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون، والجملة في محل نصب خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الإجمال إلى التفصيل الاستقرائي: في الآية السابقة قال مجملاً: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، فجاءت هذه الآية لتفصل أسماء تلك الأمم البائدة التي يعرف العرب أخبارهم ويمرون على ديارهم في أسفارهم لليمن والشام (عاد، ثمود، مدين، قوم لوط)؛ ليتحول التهديد من فكرة مجردة إلى شواهد حسية شاخصة تخرس ألسنة المكذبين.
التنزيه الإلهي وتعيين الجاني الحقيقي: خُتمت الآية بتنزيه الخالق عن الظلم: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}، ونسبة الظلم حصراً إلى العبد الجاني: {وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، فالعذاب ثمرة طبيعية لكفرهم وعنادهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول الهلاك للأطفال والبهائم في عذاب الاستئصال للأمم البائدة: كيف يهلك الله أقواماً ويكون فيهم أطفال أو دواب لا ذنب لها، أليس في ذلك ظلم؟
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية:
الله تبارك وتعالى هو المالك المطلق لملكه وعباده، يتصرف في خلقه بحكمته البالغة، وموت الأطفال والحيوانات ليس عقوبة تكليفية لهم، بل هو انتهاء لآجالهم المقدرة في الدنيا؛ والله يعوضهم في الآخرة نعيماً مقيماً لا ينفد ويدخل أطفالهم الجنة، والبهائم تصير تراباً بعد القصاص.
أما العقوبة والاستئصال المهلك بالخزي واللعنة فإنما نزل بالكفار المكلفين الذين عتوا عن أمر ربهم وظلموا أنفسهم، فحل بهم غضب الله جزاء وفاقاً، وانتفت شبهة الظلم كلياً؛ لأن الله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة.
تقديم المفعول به في {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: تقديم "أنفسهم" على الفعل يفيد القصر والاختصاص؛ أي ما ظلموا أحداً غير أنفسهم؛ لأن ضرر الكفر لا يمس جناب الله العلي العظيم بشيء، وإنما يرتد وبالاً ونكالاً وهلاكاً على ذواتهم وكيانهم.
البلاغة الصوتية في أسماء الأقوام والائتفاك: جرس الكلمات يعكس هول الصواعق والزلازل والريح والانقلاب الذي دمر تلك الحضارات العاتية ومحاها من الوجود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتبار بسير الغابرين وقراءة التاريخ بسنن القرآن: التاريخ في ميزان القرآن ليس حكايات مسلية، بل هو مختبر سنني صارم لا يحابي أحداً؛ فكل أمة تسلك مسلك عاد وثمود وقوم لوط في الاستكبار والفساد والشذوذ ستلقى نفس المصير الحتمي عاجلاً أو آجلاً.
كمال العدل الإلهي وحجة الرسالة: ترسيخ أن الله قد أقام الحجة التامة على البشر ببعثة الرسل وإنزال الكتب، فلا عذر لمعتذر بعد البيان.