أسباب النزول ومرويات الباب في تصوير ذعر المنافقين: نزلت الآية الكريمة لتجسد شدة رعب المنافقين من مجتمع المسلمين ونفورهم القلبي التام من العيش معهم، وتصوير رغبتهم الشديدة في الهروب والاختفاء في أي جحر لو وجدوا إلى ذلك سبيلاً. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: يخبر الله عن شدة كراهية المنافقين للمؤمنين وخوفهم منهم؛ فلو وجد أحدهم حصناً يتحصن فيه، أو غاراً في جبل يستتر فيه، أو نفقاً وسرباً في الأرض يندحر ويدخل فيه هرباً منكم؛ لأسرعوا إليه وألقوا بأنفسهم فيه كالدواب الهاربة التي لا يردها شيء.
أقوال أئمة السلف والتفسير في تفسير الألفاظ الثلاثة:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 319)جامع البيانالطبري١٤/٣١٩:
الملجأ: الحصن والمعقل والقلعة التي يلتجئ إليها الخائف فيمتنع بها من عدوه.
المغارات: السرداب والنقب والغيران في الجبال والكهوف التي يختبئ فيها الإنسان.
المُدَّخَل: السرب والنفق والجحر الضيق في باطن الأرض الذي يدخل فيه المرء بجهد ومشقة ويزحف فيه زحفاً ليختفي عن الأعين.
{وَهُمْ يَجْمَحُونَ}: أي يسرعون إسراعاً شديداً كالجواد الجموح الذي غلب راكبه فلا يثنيه لجام ولا يقدر أحد على رده؛ والمعنى: أن الذي يحبسهم بينكم ليس حبكم، بل العجز عن وجود مهرب يفرون إليه.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 170)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٧٠: هذا تصوير بديع لهلعهم وشدة بغضهم؛ فإنهم لا يخالطون المسلمين إلا على كره شديد واضطرار؛ فلو تهيأ لهم أي مكان يعصمهم منكم لبادروا بالفرار كالفرس الجموح هرباً منكم ومن صحبتكم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 220)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢٢٠: الجموح في الخيل هو العاصي الشارد الذي لا يقدر راكبه على حبسه؛ واستعير هنا لشدة هروبهم وطيرانهم رعباً إلى أي مأوى يعزلهم عن المسلمين.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 342)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤٢: بيان لشدة كراهيتهم لأهل الإيمان؛ فبقاؤهم مع المسلمين بقاء اضطرار وإكراه لعدم وجود الملجأ والمفر، فإذا ظفروا بمفر فروا هاربين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
مَلْجَأً: مَفْعَل من اللجوء، وهو المكان الآمن الحصين الذي يلتجئ ويعتصم به الخائف.
مَغَارَاتٍ: جمع مَغَارَة، وهي النقب والغار الواسع في الجبل.
مُدَّخَلًا: مُفْتَعَل من الدخول (أصله مُدْتَخَل، قلبت التاء دالاً وأدغمت في الدال)؛ وهو الموضع الضيق جداً كالسرب والنفق الذي لا يُدخل إلا بمشقة وانضغاط.
يَجْمَحُونَ: الجموح هو الإسراع العنيف الخارج عن السيطرة؛ يقال جَمَحَ الفرس إذا اعتزّ براكبه وغلبه على لجامِه ومضى مسرعاً كالمجنون لا يرده شيء.
الإعراب التفصيلي:
لَوْ: حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.
يَجِدُونَ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
مَلْجَأً: مفعول به لـ يجدون منصوب بالفتحة الظاهرة.
أَوْ: حرف عطف يفيد التنويع والتقسيم.
مَغَارَاتٍ: معطوف على ملجأ منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
أَوْ مُدَّخَلًا: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
لَّوَلَّوْا: اللام واقعة في جواب لو، ولّوا فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل، والجملة جواب لو لا محل لها.
إِلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ ولوا.
وَهُمْ: الواو للحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
يَجْمَحُونَ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم)؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ولّوا.
توجيه القراءات:
قرأ الجمهور: {مُدَّخَلًا} بضم الميم وتشديد الدال والخاء مفتوحة (اسم مكان من ادَّخل).
وقرأ الأعمش وأبو رجاء في الشواذ: {مَدْخَلًا} بفتح الميم وتسكين الدال (اسم مكان من دخل). والقراءة المتواترة بالتشديد أبلغ في تصوير الدخول في الموضع الضيق الشاق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج التنازلي الإعجازي في تصوير الهروب:
بدأ بالملجأ {مَلْجَأً}: وهو الحصن والقلعة الشامخة المنيعة.
ثم تنزل إلى المغارات {أَوْ مَغَارَاتٍ}: وهي الكهوف الوعرة في الجبال.
ثم تنزل إلى أحقر موضع: {أَوْ مُدَّخَلًا}: وهو السرب والنفق وجحر الضب في الطين والتراب!
وهذا التدرج البديع يصور استعدادهم للقبول بأحقر حفرة وأقذر جحر في باطن الأرض ليدفنوا أنفسهم فيها حية، فقط فراراً من رؤية المؤمنين ومن مصاحبتهم!
بيان زيف ادعاء الأخوة: في الآية السابقة حلفوا {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ}، وهنا في هذه الآية (57) كشف القرآن أنهم لو وجدوا جحراً في جبل لطاروا إليه جموحاً؛ فشتان بين دعوى اللسان وحقيقة الجوارح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المبالغة في تصوير نفور المنافقين:
قد يظن ظان أن التعبير بـ "الجموح إلى المغارات والمدخل" فيه مبالغة خيالية.
الرد والمحاكمة النفسية الواقعية:
هذا تصوير قرآني إعجازي دقيق لـ "سيكولوجية العدو المتستر"؛ فالخائن الذي يعيش بين صفوف قوم يبغضهم حتى الموت ويخشاهم حتى الرعب، يعيش في عذاب نفسي خانق يجعله يتمنى الموت أو الاختباء في أي ثقب ليتخلص من هذا النفاق اليومي ومن تمثيل المحبة.
التاريخ وثق نماذج كثيرة لمنافقين فروا إلى الروم أو دخلوا في حصون خيبر بمجرد أن واتتهم أدنى فرصة، مما يصدق التوصيف القرآني المعجز.
الاستعارة التمثيلية المصرحة في {وَهُمْ يَجْمَحُونَ}: شبه هروبهم بركض الفرس الجموح الذي انقطع لجامه؛ بجامع السرعة الهوجاء والذعر الطاغي وانعدام السيطرة والتعقل؛ لتصوير مدى الرعب والنفور.
التنويع بـ {أَوْ}: للتنويع واستقصاء كل البدائل؛ أي أي موضع كان، كبيراً أو صغيراً، حصناً أو كهفاً أو شقاً، لطاروا إليه بلا تردد.
إدغام التاء في الدال في {مُدَّخَلًا}: الثقل الصوتي في الكلمة يجسد صعوبة الزحف والدخول في المضايق والأنفاق الترابية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عذاب المنافق النفسي: المنافق محروم من سكينة الإيمان وطمأنينة اليقين؛ فهو يعيش مأزوماً مرعوباً يتمنى الهروب من حقيقته، بينما المؤمن يعيش في طمأنينة وأمن ورضا في كل أحواله.
الحذر من الطابور الخامس المتبرم: من علامات المنافقين التبرم الدائم من المجتمع المسلم والبحث عن أي فرصة للانسلاخ منه والالتحاق بأعدائه.