أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت الآية الكريمة تحريضاً للمؤمنين على قتال كفار قريش وحلفائهم بعد نقضهم لصلح الحديبية وإعانتهم بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن إسحاق والواقدي أن بعض المسلمين كان يتهيب تجدد الحرب مع قريش لعظم شوكتها وقرب عهدهم بمكة؛ فنزلت الآية تذكرهم بتاريخ قريش الأسود وجرائمها المتراكمة: المؤامرة على دار الندوة، السعي لإخراج النبي وقتله، وبدؤهم بالعدوان في بدر وأحد والأحزاب.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 160)جامع البيانالطبري١٤/١٦٠: هذا تحضيض وحث بالغ من الله تعالى للمؤمنين على قتال المشركين الناكثين، وتذكير لهم بسوابق إجرامهم؛ فهم الذين نقضوا العهود، وهموا بإخراج الرسول من مكة حين تآمروا عليه في دار الندوة، وبدؤوا المسلمين بالقتال والعدوان أول مرة؛ فما الذي يقعدكم عن قتالهم؟ أتخافون بأسهم؟ فالله أحق بالخشية والخوف إن كنتم صادقين في إيمانكم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 118)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٨: هذا تهييج وتحميس لأهل الإيمان لقتال هؤلاء المجرمين الذين اجتمعت فيهم كل دواعي المحاربة: نقض الأيمان، والتآمر على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم، والمبادأة بالعدوان والظلم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 95)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٩٥: الآية دالة على أن دفع العدو الصائل الذي بدأ بالظلم ونقض العهد فرض متعين على الأمة؛ ولا يحل لمؤمن أن يخشى الخلق ويقعد عن أمر الخالق.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 331)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣١: حرك الله همم المؤمنين بأقوى المحركات العقلية والإيمانية: تذكيرهم بعدوان العدو الصارخ، وتجريد الخشية لله وحده؛ فالإيمان الحقيقي يطرد الخوف من المخلوقين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
هَمُّوا: الهمّ هو العزم على الشيء ومقدمة الإرادة الجازمة؛ ومنه همّ به إذا قصد إيقاعه به وإصابة مكروه له.
بَدَءُوكُمْ: البدء هو الشروع في الفعل أولاً والتقدم به؛ أي أنهم كانوا البادئين بالعدوان والحرب ولم يكن المسلمون هم البادئين.
أَتَخْشَوْنَهُمْ: الخشية خوف ممتزج بتعظيم وهيبة للمخشي، وأصلها في القلب وتظهر آثارها على الجوارح بالانقياد والحذر.
الإعراب التفصيلي:
أَلَا: حرف تحضيض وتنبيه.
تُقَاتِلُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
قَوْمًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
نَّكَثُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة في محل نصب نعت لـ قوماً.
أَيْمَانَهُمْ: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
وَهَمُّوا: معطوف على نكثوا، والجملة نعت ثانٍ.
بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ: جار ومجرور متعلق بـ هموا، والرسول مضاف إليه مجرور.
وَهُم بَدَءُوكُمْ: الواو للحال، هم ضمير منفصل مبتدأ، بدؤوكم فعل ماض وفاعله الواو والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
أَوَّلَ مَرَّةٍ: أول ظرف زمان منصوب متعلق بـ بدؤوكم، ومرة مضاف إليه.
أَتَخْشَوْنَهُمْ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، تخشونهم فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
فَاللَّهُ: الفاء فصيحة، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
أَحَقُّ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
أَن تَخْشَوْهُ: أن حرف مصدري ونصب، تخشوه مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به؛ والمصدر المؤول (أن تخشوه) في محل نصب بنزع الخافض أي (بأن تخشوه) متعلق بـ أحق.
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ: إن شرطية، كنتم فعل ماض ناقص اسمها التاء في محل جزم فعل الشرط، مؤمنين خبر كان منصوب بالياء؛ وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي (فاخشوه وحده).
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وضبطها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة الحجة المنطقية على مشروعية القتال: سردت الآية أربع جرائم كبرى متتالية قام بها العدو لتبرهن للمترددين أن قتالهم هو عين العدالة والدفاع عن النفس:
نكث الأيمان والمواثيق.
التآمر على إخراج النبي وطرده من وطنه.
المبادأة بالحرب والعدوان أول مرة.
محاولة ترويع المسلمين وبث الخشية في قلوبهم.
الارتقاء من الخوف البشري إلى الخشية العقدية: استخدام الاستفهام التوبيخي {أَتَخْشَوْنَهُمْ} لمحو بقايا الرهبة الطبيعية، ثم مقابلتها الفورية بالحقيقة المطلقة: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ}؛ لإعادة ضبط البوصلة الوجدانية للمؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض فرية "الإسلام بدأ الحرب واعتدى على قريش":
هذه الآية الكريمة نص تاريخي وقرآني قطعي يثبت أن المسلمين لم يبدؤوا الحرب أبداً، بل قريش وحلفاؤها هم الذين بدؤوا بالعدوان والظلم: {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
السياق التاريخي الموثق:
قريش عذبت المستضعفين بمكة حتى ألجأتهم إلى الهجرة للحبشة ثم المدينة.
قريش حاصرت بني هاشم في الشِعب ثلاث سنين تجويعاً وظلماً.
قريش تآمرت في دار الندوة على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجته من بلده.
قريش صادرت أموال المهاجرين وديارهم في مكة.
قريش سارت بجيشها إلى بدر لمناجزة المسلمين واستئصالهم، ثم غزتهم في أحد والأحزاب.
فقتال قريش وحلفائها كان رداً للعدوان ودفعاً للصائل وإحقاقاً للحق.
أسلوب التحضيض في {أَلَا تُقَاتِلُونَ}: استخدام (ألا) التي تجمع بين التنبيه والتحضيض لاستثارة النخوة والشجاعة الإيمانية ونفض غبار التردد.
الاستفهام الإنكاري التوبيخي في {أَتَخْشَوْنَهُمْ}: توبيخ رقيق يستنكر أن يستقر في قلب يحمل التوحيد خوف من بشر ضعيف زائل لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
صيغة التفضيل في {أَحَقُّ}: إبراز أن الله سبحانه المتفرد بالخلق والملك والعزة هو المستحق وحده لكمال الخشية والمهابة والتعظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلب من الخوف من الطغاة: أعظم ثمار التوحيد أن يتحرر العبد من سلطان الخوف من المخلوقين؛ فإذا امتلأ القلب بخشية الله صغرت في عينه كل قوى الأرض وأساطيلها.
الربط بين صدق الإيمان والشجاعة: قوله {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} شرط يربط بين حقيقة الإيمان والجرأة في الحق؛ فالجبن والخور والخشية من الأعداء علامات على ضعف الإيمان ونقصه.