أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري والحاكم في المستدرك (جـ 2، ص 331)مصدر غير محدد٢/٣٣١ عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم قالا: لما أُسر العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب يوم بدر، أقبل عليهم نفر من الصحابة الكرام يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ ألَسْنا نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني؟ فأنزل الله عز وجل رداً عليهم وبياناً لمعيار القبول عنده: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 173)جامع البيانالطبري١٤/١٧٣: ما ينبغي ولا يليق في حكم الله وعدله أن يكون للمشركين بالله ولاية عمارة مساجد الله؛ لا عمارة بنيانها وتشييدها، ولا عمارة العبادة فيها بالصلاة والطواف؛ وهم مقيمون على الشرك شاهدون على أنفسهم بعبادة الأوثان؛ فأعمالهم باطلة حابطة لا ثواب لها، ومصيرهم الخلود في نار جهنم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 122)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٢: هذا نفي من الله تعالى لأهلية المشركين لعمارة بيوته؛ لأن العمارة الحقيقية إنما تكون بالإيمان والتوحيد الخالص، أما والمشرك شاهد على نفسه بلسان حاله ومقاله بالشرك، فإن عمله حابط ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 104)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٠٤: استدل بالآية على منع الكفار من ولاية المساجد وبنائها والأوقاف عليها، وعلى أن الكافر لا ولاية له على شيء من شعائر المسلمين، وبيّن أن شهادتهم على أنفسهم بالكفر تظهر في تلبيتهم الجاهلية للأصنام وسجودهم للأوثان.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 332)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٢: المساجد إنما بنيت ليوحد الله فيها وحده لا شريك له، فكيف يعمرها من يجعل مع الله إلهاً آخر؟! فالكفر محبط لجميع الأعمال الصالحة كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
مَا كَانَ: نفي للحق والأهلية والصحة؛ أي ما صح وما استقام ولا جاز شرعاً وعقلاً.
يَعْمُرُوا: العمارة نقيض الخراب، وتكون حسية بالبناء والتشييد والترميم والكنس والفرش، وتكون معنوية بالصلاة والذكر والاعتكاف وتلاوة القرآن؛ وكلا المعنيين مقصود في الآية.
مَسَاجِدَ: جمع مسجد، وهو موضع السجود والصلاة لله عز وجل، وجمعه هنا إما لإرادة جنس المساجد كلها، أو لإرادة المسجد الحرام خاصة وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها.
حَبِطَتْ: الحبوط البطلان والفساد والضياع؛ وأصله في اللغة من الحَبَط وهو داء يصيب الماشية إذا رعت نبت الدفلى فانتفخت بطونها وماتت؛ واستعير لبطلان العمل الصالح بالشرك كأنه انتفخ بغير حقيقة ثم هلك.
الإعراب التفصيلي:
مَا: نافية لا عمل لها.
كَانَ: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
لِلْمُشْرِكِينَ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان مقدم.
أَن: حرف مصدري ونصب.
يَعْمُرُوا: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل؛ والمصدر المؤول (أن يعمروا) في محل رفع اسم كان مؤخر، والتقدير: ما كانت عمارةُ مساجد الله جائزةً للمشركين.
مَسَاجِدَ: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
اللَّهِ: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
شَاهِدِينَ: حال من فاعل يعمروا (الواو) منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم.
عَلَىٰ أَنفُسِهِم: جار ومجرور متعلق بـ شاهدين، والهاء مضاف إليه.
بِالْكُفْرِ: جار ومجرور متعلق بـ شاهدين.
أُولَٰئِكَ: اسم إشارة مبتدأ، والكاف للخطاب.
حَبِطَتْ: فعل ماض، والتاء للتأنيث.
أَعْمَالُهُمْ: فاعل مرفوع، والهاء مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (أولئك).
وَفِي النَّارِ: الواو عاطفة، في النار جار ومجرور متعلق بالخبر (خالدون).
هُمْ: ضمير منفصل مبتدأ ثانٍ (أو توكيد).
خَالِدُونَ: خبر مرفوع بالواو، والجملة معطوفة على ما قبلها.
توجيه القراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: {أَن يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّهِ} بالإفراد؛ والمراد به المسجد الحرام.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} بالجمع؛ ليشمل جنس المساجد كلها وفي طليعتها المسجد الحرام. والقراءتان متكاملتان؛ فإفراد المسجد لتعيين القبلة والشرف، وجمعه لتعميم الحكم في كل مسجد بُني لله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال آخر أوراق الفخر الجاهلي: بعد أن أسقط الله عهود المشركين وأمر بمنابذتهم في الآيات السابقة، ربما احتج المشركون بمفاخرهم التقليدية وهي حجابة البيت وسدانته وعمارته وسقاية الحاج؛ فجاءت هذه الآية لتسقط هذا الاحتجاج وتجردهم من أي حق معنوي في بيت الله؛ لأن الشرك ينسف كل فضيلة مدعاة.
الارتباط المنطقي بين الشرك وحبوط العمل: الآية تقرر قاعدة مطردة في النظم القرآني: لا قيمة لأي عمل مادي أو بر اجتماعي ما لم ينبثق عن توحيد الله الخالص؛ فالمسجد بني لذكر الله، فكيف يكون لمن يشرك مع الله ولاية عليه؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إهدار أعمال البر الصادرة من غير المسلمين:
يزعم بعض الحداثيين أن إحباط أعمال المشركين في بناء المساجد وسقاية الحاج فيه إجحاف بجهودهم وأعمالهم الإنسانية والخيرية.
الرد والمحاكمة العقلية المحكمة:
العمل الخيري إنما يكتسب قيمته من غايته ووجهته؛ فالذي يبني مسجداً أو يقدم خدمة للناس وهو يشرك بالله ويعبد الأصنام إنما يفعل ذلك رياءً أو فخراً قبلياً أو لترسيخ نفوذه، ولم يبتغِ به وجه الله والدار الآخرة.
الله سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملاً أشرك فيه مع الله غيره تركه الله وشركه؛ كما صح في الحديث القدسي (صحيح مسلم، رقم: 2985)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٩٨٥.
العدالة الإلهية توفي الكافر ثمرة حسناته الدنيوية في الدنيا (صحة، مالاً، ثناءً بين الناس)، فإذا ورد الآخرة لم يكن له عند الله رصيد لأنه لم يؤمن باليوم الآخر أصلاً ولم يعمل له؛ فالحبوط هنا حكم عقلي وشرعي عادل.
أسلوب {مَا كَانَ لَهُمْ}: هذا التركيب في لسان العرب يفيد الامتناع التام شرعاً وعقلاً؛ أي لا يصح في العقول ولا يستقيم في الفطر أن يكون للعدو الكافر ولاية على بيوت الله.
الحالية في {شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ}: تصوير رائع لشهادة الحال والمقال؛ فالشرك ليس تهمة مستورة، بل هو حقيقة واقعة يشهدون بها بألسنتهم في شركهم وبتلبيتهم للأصنام وعبادتهم للأوثان، فكيف تجتمع شهادة الكفر مع عمارة بيوت التوحيد؟!
التقديم في {وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}: تقديم الجار والمجرور (في النار) لإفادة الاختصاص والحصر والتهويل لمصيرهم المشؤوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة المساجد عن أيدي العابثين: المساجد أمانة في أعناق المؤمنين؛ لا يجوز أن يتولاها إلا المخلصون من أهل الصلاة والتقوى، ولا يجوز لأهل الفسوق والشرك أن يتحكموا في منابرها أو بنائها.
الإخلاص شرط القبول الوحيد: ليس الشأن أن تبني جداراً أو تشيد منارة، بل الشأن أن تخلص القلب لله، فكل عمل بلا توحيد هباء منثور.