أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ}: "أولو الطول: هم أهل الغنى واليسار، والسعة في الرزق، والقدرة على النفقة والزاد والركوب؛ استأذنوا رسول الله ﷺ في التخلف والقعود عن الجهاد في غزوة تبوك، واعتذروا بأعذار باطلة كاذبة، وقالوا: ائذن لنا نكن مع أهل العذر من القاعدين كالنساء والصبيان والعجزة".
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/180): "يقول تعالى ذامّاً للمتخلفين عن الجهاد، الناكصين عنه مع القدرة عليه والتمكن منه، الواجدين للسبيل إليه: {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ} أي: ذوو الفضل والقدرة والمال، {وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ} أي: رضوا لأنفسهم بالعجز والمهانة والقعود مع الضعفاء والنساء، فما أقبح هذا الصنيع وأدناه!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الطَّوْل" لغة:
الطَّوْل (بفتح الطاء): الفضل، والسعة، والقدرة، والغنى؛ مأخوذ من الطول ضد القصر؛ لأن صاحب المال كأنه امتدت يده وقدرته إلى ما لم تمتد إليه يد الفقير العاجز، ومنه قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ}، وقوله: {ذِي الطَّوْلِ}.
دلالة فعل "ذَرْنا":
ذَرْ: فعل أمر جامد لا ماضي له في الاستعمال الفصيح (أميت ماضيه ومصدره عند العرب واستُغني عنه بترك)، ومعناه: دَعْنا واتركنا.
الإعراب المفصل:
"وَإِذَا": الواو استئنافية، "إذا" ظرف لما يُستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
"أُنزِلَتْ": فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.
"سُورَةٌ": نائب فاعل مرفوع بالضمة، وجملة "أنزلت سورة" في محل جر بالإضافة لـ "إذا".
"أَنْ": مفسرة (أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية بحرف جر محذوف أي بأن آمنوا).
"آمِنُوا": فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
"بِاللَّهِ": جار ومجرور متعلق بـ "آمنوا".
"وَجَاهِدُوا": عاطف وأمر مبني على حذف النون وفاعله الواو.
"مَعَ رَسُولِهِ": شبه جملة ظرف مكان متعلق بـ "جاهدوا"، ورسول مضاف، والهاء مضاف إليه.
"اسْتَأْذَنَكَ": فعل ماض مبني على الفتح جواب شرط "إذا"، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم.
"أُولُو": فاعل مؤخر مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
"الطَّوْلِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
"مِنْهُمْ": جار ومجرور شبه جملة حال من أولي الطول.
"وَقَالُوا": الواو عاطفة، ماض وفاعله.
"ذَرْنَا": فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت، و"نا" مفعول به.
"نَكُن": مضارع ناقص مجزوم في جواب الطلب (أو الشرط المقدر) وعلامة جزمه السكون، واسمه ضمير مستتر تقديره نحن.
"مَّعَ": ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر نكن.
"الْقَاعِدِينَ": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط حجج المترفين والمستكبرين: بيّنت الآية الفارق الصارخ بين حالين؛ فحين تنزل آيات التكليف والنفير، لا يتردد المؤمن الفقير بل يبحث عن فرصة للبذل، بينما أصحاب القصور والأموال الوافرة هم أول من يسارع إلى الاستئذان والتنصل من المسؤولية؛ كاشفة أن المعوق الحقيقي ليس قلة الإمكانات المادية، بل خوار العزائم وموت الإيمان في القلوب.
التناسب مع طلب الرضا بالقعود: طلبهم {ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ} يدل على انحطاط هممهم؛ فبينما يتنافس الرجال والشجعان على مقاعد الصدارة والجهاد ونيل الشهادة، يطلب هؤلاء المترفون بكل وقاحة أن يُلحقوا بمنازل العجزة والنساء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مشروعية الاستئذان وأنه أدب مع القائد: قد يزعم المنافق أن استئذانه دليل طاعة وأدب؛ إذ لم ينصرف إلا بإذن النبي ﷺ!
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية:
الاستئذان إنما يكون شرعياً ومحموداً إذا كان لعذر قاهر وحاجة ملحة طارئة مع صدق النية في نصرة الدين كما قال تعالى في سورة النور: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ}.
أما الاستئذان للتخلص من الفريضة والتهرب من نصرة الحق مع القدرة التامة والغنى الوافر فهو خيانة ونفاق صريح؛ ولهذا ذمهم الله هنا وجعل استئذانهم علامة على سقوط عدالتهم واستحقاقهم للطبع على قلوبهم.
التنكير في "سُورَةٌ": يفيد التعظيم والتفخيم؛ أي أي سورة من سور القرآن تنزل تدعو إلى الإيمان والجهاد تثير رعبهم وتكشف زيفهم.
التقييد بـ {مَعَ رَسُولِهِ}: شرف الجهاد أعظم ما يكون حين يكون بصحبة النبي ﷺ وتحت لوائه الشريف؛ فالزاهد في صحبته مع القدرة زاهد في أعظم فضائل الوجود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتنة الترف والرخاء وأثرها في تخنيث الهمم: الترف الزائد ورغد العيش يورثان الخمول والجبن وخشية الموت؛ فالتربية الإسلامية تحرص على إعداد الأجيال على الخشونة والصبر والاستعداد للبذل والتضحية.
محاسبة النفس على استثقال التكاليف الشرعية: على المسلم أن يتفقد قلبه عند سماع نداءات البذل والعمل والجهاد؛ فإن وجد في نفسه تثاقلاً أو رغبة في التهرب مع القدرة، فليعلم أن تلك شعبة خطيرة من شعب النفاق يجب اجتثاثها فوراً بالتوبة والاستغفار.