أسباب النزول ومرويات الباب: روى الإمام أحمد في المسند (رقم: 11723)مصدر غير محددحديث رقم ١١٧٢٣ والترمذي (رقم: 3093)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٣ وابن ماجه (رقم: 802)مصدر غير محددحديث رقم ٨٠٢ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ}».
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 176)جامع البيانالطبري١٤/١٧٦: حصر الله جل ثناؤه أهلية عمارة مساجده فيمن جمع خمس خصال إيمانية عليا: الإيمان بالله رباً ومعبوداً لا شريك له، والإيمان باليوم الآخر للجزاء والحساب، وإقام الصلاة المفروضة، وإيتاء الزكاة الواجبة، وتجريد الخشية والمهابة لله وحده دون خلقه.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 123)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٣: شهد الله تعالى بالإيمان لعمار المساجد؛ والعمارة تشمل العمارة الحسية بالبناء والنظافة، والمعنوية بالذكر والصلاة والاعتكاف؛ فمن اتصف بهذه الصفات فهو الخليق بأن ينال هداية الله التامة.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 106)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٠٦: قوله {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} يعني خشية العبادة والتعظيم والانقياد؛ فإن الخوف الطبيعي الجبلي (كالخوف من السبع أو النار أو القتل) لا يسلم منه بشر ولا يقدح في الإيمان، وإنما المذموم هو خوف السر والعبادة الذي يحمل على ترك الفرائض أو فعل المحرمات خشية الناس.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 332)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٢: قصر عمارة المساجد على أهل الإيمان؛ لأن العمارة الحقيقية هي بطاعة الله فيها وإحيائها بالحق، وقوله {فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ} و"عسى" من الله واجبة متحققة؛ فهم المهتدون قطعاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
إِنَّمَا: أداة حصر وقصر مركبة من إنّ المكسورة المشبهة بالفعل وما الكافة، وتفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
وَلَمْ يَخْشَ: الخشية خوف مقرون بالمعرفة والإجلال، وحذف حرف العلة (الألف) للجزم بـ لم.
فَعَسَىٰ: عسى فعل ماض جامد للترجي والرجاء في حق المخلوقين، وإذا ورد عن الله عز وجل فهو للتحقيق والإيجاب؛ لأن الله لا يرجو أحداً بل يفي بما وعد.
الإعراب التفصيلي:
إِنَّمَا: أداة حصر كافّة ومكفوفة.
يَعْمُرُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
مَسَاجِدَ: مفعول به مقدم منصوب بالفتحة الظاهرة.
اللَّهِ: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
مَنْ: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل مؤخر للفعل يعمر.
آمَنَ: فعل ماض، والفاعل مستتر يعود على من، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ: معطوفان على آمن.
وَلَمْ يَخْشَ: الواو عاطفة، لم حرف جزم، يخش مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفاعل مستتر تقديره هو.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
اللَّهَ: لفظ الجلالة مفعول به لـ يخش منصوب بالفتحة الظاهرة.
فَعَسَىٰ: الفاء فصيحة، عسى فعل ماض ناقص جامد.
أُولَٰئِكَ: اسم إشارة مبني في محل رفع اسم عسى.
أَن يَكُونُوا: أن حرف مصدري ونصب، يكونوا مضارع ناقص منصوب بحذف النون والواو اسمه؛ والمصدر المؤول (أن يكونوا) في محل نصب خبر عسى.
مِنَ الْمُهْتَدِينَ: جار ومجرور بالياء في محل نصب خبر يكونوا.
توجيه القراءات:
كالقراءة السابقة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب {مَسْجِدَ اللَّهِ} بالإفراد، وقرأ الباقون {مَسَاجِدَ اللَّهِ} بالجمع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التناظرية الفذة بين الآيتين:
الآية (17) جاءت لنفي الأهلية عن المشركين: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ}.
والآية (18) جاءت لحصر الأهلية وإثباتها للمؤمنين الصادقين: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}.
وبذلك انغلقت أبواب المساجد في وجوه المشركين نهائياً، وانفتحت على مصراعيها للمؤمنين الموحدين العابدين.
سر التعبير بـ {فَعَسَىٰ} مع كمال أوصافهم: بالرغم من استجماعهم للإيمان والصلاة والزكاة والخشية، قال {فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}؛ لتربية المؤمنين على التواضع وعدم العجب والغرور بأعمالهم، وإبقاء القلوب بين الخوف والرجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} وبين الخوف الطبيعي البشري:
قد يظن ظان أن المؤمن إذا خاف من عدو أو سبع في معركة أو طريق خرج من هذه الصفة ولم يعد من عمار المساجد.
الرد والتحقيق العقائدي المحكم:
الخشية المنفية هنا هي خشية العبادة والتعظيم والتوكل والطاعة المطلقة؛ وهي ألا يعبد إلا الله، ولا يصرف قلبه في الخضوع إلا له، ولا يترك طاعة الله خوفاً من بطش كافر أو حاكم جائر.
أما الخوف الطبيعي الجبلي الحسي (كالخوف من البرد، الجوع، الأذى المادي) فهذا من جبلة البشر ولا حرج فيه، وقد قال الله عن موسى عليه السلام: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}، ولم ينقص ذلك من نبوته ولا توحيده شيئاً.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنَّمَا}: قصر عمارة المساجد على المؤمنين؛ ليدل على أن من لا يتصف بهذه الصفات فعمله كلا عمل، وأنه أجنبي عن المساجد ورسالتها.
تقديم المفعول به {مَسَاجِدَ اللَّهِ}: لإبراز شرف المساجد وعلو مكانتها وإضافتها إلى لفظ الجلالة تشريفاً وتعظيماً.
الحصر الثاني في الخشية بـ {إِلَّا اللَّهَ}: قصر الخشية على الله عز وجل؛ إشعاراً بأن عمارة المساجد تتطلب قوة قلب وشجاعة تامة في الصدع بالحق أمام الطغاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رسالة المسجد في بناء الأمة: المسجد ليس مجرد حجارة وزخارف، بل هو منطلق الهداية، ومصنع الرجال، ومركز التقوى والتكافل والتوجيه.
الملازمة للمساجد برهان الإيمان: اعتتياد المساجد والمحافظة على صلاة الجماعة فيها من أوثق الأدلة على حياة القلب والصدق في الإيمان باليوم الآخر.