أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "لما نزل عتاب المتخلفين عن تبوك وتشديد النكير عليهم في الآيات السابقة، قال المسلمون: والله لا نتخلف عن سرية ولا غزوة يبعثها رسول الله ﷺ أبداً! فلما بعث رسول الله ﷺ السرايا بعد تبوك، نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوا رسول الله ﷺ بالمدينة وحده ولم يبق معه أحد يتعلم منه القرآن والشرائع، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة تنظيماً للأمة وبياناً لتوازن أعبائها: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}".
القولان المشهوران لأئمة السلف في مرجع الضمائر ومناط التفقه:
القول الأول (قول ابن عباس، قتادة، مجاهد، واختيار الطبري وابن كثير):
المعنى: لا ينبغي لجميع المؤمنين أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً فيعطلوا سائر فروض الأمة، بل ينبغي أن ينفر من كل قبيلة أو بلدة جماعة إلى الجهاد والغزو، وتقعد طائفة مع رسول الله ﷺ بالمدينة ليتفقهوا في الدين بسماع الوحي وحفظ القرآن ومعرفة الأحكام، فإذا رجعت السرايا والمجاهدون من الغزو، علّموهم ما نزل من القرآن والأحكام وأنذروهم لكي يحذروا، فيجتمع للأمة فضل الجهاد بالسيف وفضل العلم بالحجة والبيان.
القول الثاني (قول الحسن البصري وعكرمة):
المعنى: تنفر طائفة من كل فرقة إلى الغزو مع النبي ﷺ، فيرون ما ينصر الله به أولياءه، وما يحل بالمكذبين من العبر والآيات، فيتفقه المجاهدون في الدين بما يشاهدونه من نصر الله ومعجزاته، فإذا رجعوا إلى قومهم في بواديهم وديارهم علّموهم وأنذروهم بما رأوا من عزة الإسلام وقوة الإيمان.
ورجح الجمهور القول الأول؛ لأن سياق التفقه والإنذار أنسب بطلب العلم الشرعي وحفظ حدود التنزيل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "التَّفَقُّه" لغة واصطلاحاً:
الفِقْه: هو الفهم الدقيق لمرامي الكلام ومقاصده؛ والتَفَقُّهُ (على وزن تَفَعَّلَ): يدل على التكلف والاجتهاد والطلب المستمر والمبالغة في تحصيل الفهم ورسوخه؛ والمراد به: طلب العلم بأحكام الشريعة، وعقائدها، وحلالها، وحرامها، ومقاصدها.
أداة التحضيض (فَلَوْلَا):
"لَوْلَا": حرف تحضيض وحث؛ معناه: فَهَلَّا نَفَرَ؛ وهو طلب جازم مؤكد يقتضي الاستحباب أو الوجوب الكفائي على الأمة في تقسيم الجهود بين حراسة الثغور وحراسة الشريعة بالعلم.
الإعراب المفصل:
"وَمَا": الواو استئنافية، "ما" نافية.
"كَانَ": فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
"الْمُؤْمِنُونَ": اسم "كان" مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
"لِيَنفِرُوا": اللام للجحود، مضارع منصوب بأن مضمرة بحذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بمحذوف خبر كان (مريدين أو مستحقين للنفير جميعاً).
"كَافَّةً": حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من واو "ينفروا".
"فَلَوْلَا": الفاء عاطفة، "لولا" حرف تحضيض.
"نَفَرَ": فعل ماض مبني على الفتح.
"مِن كُلِّ": متعلق بـ "نفر"، وكل مضاف.
"فِرْقَةٍ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"مِّنْهُمْ": جار ومجرور نعت لـ "فرقة".
"طَائِفَةٌ": فاعل "نفر" مرفوع بالضمة الظاهرة.
"لِّيَتَفَقَّهُوا": اللام لام التعليل، مضارع منصوب بأن مضمرة بحذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول متعلق بفعل محذوف (وقعدت طائفة ليتفقهوا) أو متعلق بـ "نفر".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء عبقرية التوازن والتوزيع الوظيفي في الحضارة الإسلامية: هذه الآية من أعظم معجزات التنظيم والتشريع الإسلامي؛ فبعد أن بلغت السورة أوج استنهاض الأمة للقتال وتوعدت المتخلفين، وضعت هذا الضابط التوازني العبقري لئلا تندفع الأمة بكليتها إلى السلاح فتضيع العلوم وتتعطل الشريعة والتربية؛ فالأمة تحتاج إلى مداد العلماء كما تحتاج إلى دماء الشهداء؛ وكلاهما جهاد في سبيل الله.
التوازن بين حراسة الثغور وحراسة العقول: جعل القرآن طلب العلم والتفقه في الدين عديلاً للجهاد في سبيل الله؛ لأن السيف يحمي الجسد والدولة، والعلم يبني الروح ويحمي الهوية والشريعة، ولا قوام لأحدهما إلا بالآخر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل الجهاد بالسنان على طلب العلم مطلقا أو العكس: يتنازع بعض الناس في المفاضلة بين الجهاد المسلح وبين طلب العلم الشرعي!
الدفع والمحاكمة الفقهية والمقاصدية الجامع العامة:
الآية الكريمة تنهي هذا النزاع العقيم بإقرار التكامل الوظيفي وفرض الكفاية؛ فكلاهما فريضة كبرى من فرائض الإسلام؛ وتفاضلهما يدور مع حاجة الأمة وسد الثغور:
ففي أوقات هجوم العدو واحتلال الأرض يتعين الجهاد بالنفس على القادرين لدفع الصائل.
وفي أوقات استقرار الثغور أو قيام طائفة بالجهاد، يكون التفقه في الدين ونشر العلم من أعظم القربات وأفضل أنواع الجهاد باللسان والبيان؛ كما قال تعالى في سورة الفرقان: {وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}. والآية تفرض على الأمة أن ترعى كِلا الثغرين بتوازن وتكامل دون إهمال لأحدهما.
الفِرْقَة: الجماعة الكبيرة من الناس أو القبيلة والمدينة بأسرها.
الطَّائِفَة: القطعة والجزء القليل منها (من الواحد إلى ما زاد)؛ وهذا يدل على أن طلب العلم المتخصص والفقاهة فرض كفاية تتفرغ له نخبة ذكية واعية من كل مجتمع وقبيلة لتقوم بإنذار الناس وتعليمهم.
الترتيب البديع (التفقه ثم الإنذار ثم الحذر):
بدأ بـ {لِّيَتَفَقَّهُوا} وهو التحصيل العلمي العميق.
ثم ثنّى بـ {وَلِيُنذِرُوا} وهو التبليغ والدعوة والتعليم.
ثم ختم بـ {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} وهو الثمرة العملية والتطبيقية للعلم والإنذار، ليدل على أن العلم الذي لا يورث عملاً وحذراً من معصية الله علم لا قيمة له.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب كفالة وتفريغ طلبة العلم والدعاة: الآية أصل شرعي في وجوب قيام الأمة والمؤسسات والدول بتفريغ طائفة من النوابغ لطلب العلم الشرعي والتفقه والبحث العلمي، والإنفاق عليهم؛ ليكونوا صمام أمان للأمة في دينها وأخلاقها وهويتها.
وظيفة العالم والفقيه هي الإنذار والإصلاح: الفقيه الحق في ميزان القرآن ليس هو المنعزل في التجريد النظري، بل هو الذي يعايش قضايا أمته، وينذر قومه، ويقودهم إلى الحذر من الفتن والمعاصي ومؤامرات الأعداء.