نزلت هذه الآية الكريمة ورسول الله ﷺ وجيش المسلمين في طريق عودتهم من تبوك إلى المدينة، فأخبرهم الله تبارك وتعالى بما سيصنعه المنافقون عند وصول الجيش، وعلّم نبيه والمؤمنين كيف يخاطبونهم ويفحمونهم.
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد: "أخبر الله نبيه ﷺ بالوحي عما سيقوله المنافقون إذا رجع إليهم، وأمره أن يقول لهم: لا تعتذروا لن نصدقكم في معاذيركم الكاذبة؛ قد أخبرنا الله بحقيقة نفاقكم وسوء سرائركم".
فلما دخل النبي ﷺ المدينة جلس في المسجد للناس، فجاءه المنافقون -وكانوا بضعة وثمانين رجلاً- فجعلوا يحلفون ويعتذرون، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، ونزل القرآن مصدقاً لما أخبر به.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ" بالتعدية باللام:
قال: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} ولم يقل "لن نؤمن بكم"؛ لأن الإيمان إذا عُدي باللام كان بمعنى التصديق والاطمئنان للخبر والائتمان كما مر بيانه؛ والمعنى: لن نصدق دعواكم، ولن نثق بأيمانكم، ولن نسكن إلى معاذيركم بعد أن كشف الله عواركم.
التراكيب والأدوات في {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ}:
"قد": حرف تحقيق.
"نبّأنا": فعل متعدٍّ إلى ثلاثة مفاعيل أو مفعولين؛ دال على الإخبار بالنبأ العظيم الصادق الذي لا يتطرق إليه شك؛ لأنه صادر عن علام الغيوب.
الإعراب المفصل:
"يَعْتَذِرُونَ": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
"إِلَيْكُمْ": جار ومجرور متعلق بـ "يعتذرون".
"إِذَا": ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
"رَجَعْتُمْ": فعل ماض مبني على السكون وفاعله التاء، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "إذا".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحباط المناورة السياسية للمنافقين مسبقاً: هذا النص معجزة نبوية غيبية؛ إذ نزلت الآية قبل وصول الجيش إلى المدينة، فلقّن الله رسوله والمؤمنين الموقف الصارم لكي لا ينخدعوا بدموع التماسيح وأيمان الكذب؛ فسقطت ورقة التوت عن المنافقين قبل أن ينطقوا بكلمة واحدة.
فتح باب المراقبة والمستقبل في {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ}: لم يغلق الباب في وجوههم نهائياً، بل علّق الأمر على ما يستقبل من عملهم؛ فالتوبة الحقيقية لا تثبت بالكلام والاعتذار المجرد، بل بالعمل الصالح القادم؛ ثم ذكّرهم بالمصير الأكبر عند عالم الغيب والشهادة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قبول النبي ﷺ لظاهرهم واستغفاره لهم في الروايات مع نهي الآية: كيف يقول الله: {قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} ثم يقبل النبي ﷺ علانيتهم ويبايعهم؟
الدفع والمحاكمة الفقهية النبوية العظيمة:
النبي ﷺ في قيادته للأمة كان يجمع بين مقتضى السياسة الشرعية العامة وحقائق الوحي؛ فقوله: {لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} إعلان صريح بأن قلوب المؤمنين لم تعد تثق بهم، وأن منزلتهم الإيمانية قد سقطت، ولن يُعتمد عليهم في أمر جلل.
أما قبوله لعلانيتهم الدنيوية فهو إعمال للقاعدة الشرعية الكبرى: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"؛ حقناً لدمائهم ومنعاً لإشعال حرب أهلية داخل المدينة، وإيكالاً لأمرهم إلى الله الذي سينبئهم بما كانوا يعملون.
إسناد الإنباء إلى الله مرتين: في الأولى في الدنيا: {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} بالوحي الكاشف، وفي الثانية في الآخرة: {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بالجزاء والحساب؛ للدلالة على أنهم محاصرون بعلم الله التام في الحياتين.
وصف الله بـ {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}: استحضار هذه الصفة العظيمة يخرس ألسنة الكاذبين؛ لأن من يعلم ما غاب عن العيون وما شهدته الأبصار لا تنطلي عليه حيل البشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معيار الصدق هو العمل لا المعاذير: تربية المسلم على أن الاعتذار باللسان لا قيمة له إن لم يصدقه العمل الصالح في الميدان؛ فالعبرة بالحقائق لا بالمظاهر.
استشعار رقابة الله المستمرة: {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} محفز عظيم للمؤمن للعمل الجاد الخالص، ونذير رادع للمنافق من مواصلة الخداع والمكر.