أسباب النزول ومرويات الباب: كرر الله سبحانه هذا التوصيف القاطع بعد الآية (8) لتقرير أن هذه العداوة ليست حالة عارضة أو سلوكاً يختص بشخص النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي قاعدة وسجية مطردة في قلوبهم تجاه كل من اتصف بصفة «الإيمان» إلى قيام الساعة؛ فلا يراعون في مؤمن قرابة ولا عهداً.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 150)جامع البيانالطبري١٤/١٥٠: أعاد جل ثناؤه صفة هؤلاء المشركين مبيناً أن علة عداوتهم وبغضهم وتركهم للوفاء بالعهود ليست مظلمة وقعت من المسلمين، وإنما هي ذات الإيمان والتوحيد؛ فكل من آمن بالله فهو هدف لغدرهم متى تمكنوا، ووصفهم بالاعتداء لتجاوزهم حدود الله وظلمهم الصريح.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 115)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٥: كرر تعالى هذا المعنى تأكيداً للتنفير منهم والتحذير من الركون إليهم؛ مبيناً أنهم متجاوزون للحدود في الظلم والبغي والغدر.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 89)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٨٩: {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} أي الظالمون المتجاوزون للحق والعدل؛ فقد اعتدوا بنقض المواثيق، واعتدوا بالشرك بالله، واعتدوا باضطهاد المؤمنين.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 330)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٠: هذا حكم عام على جنس الكفار المحاربين؛ أن عداوتهم للمؤمن متأصلة لكونه مؤمناً، كما قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، وحصر الاعتداء فيهم لكماله فيهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
فِي مُؤْمِنٍ: التعبير بالاسم الدال على الصفة (مؤمن) دون الاسم الشخصي؛ لبيان العلة الباعثة على حقدهم وبغضهم، وهي الإيمان بالله.
الْمُعْتَدُونَ: افتعلوا من العدوان، وهو مجاوزة الحد المشروع في الظلم والبغي والعداء؛ يقال اعتدى في الأمر إذا جاوز الحق إلى الباطل.
الإعراب التفصيلي:
لَا يَرْقُبُونَ: لا نافية، يرقبون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
وَأُولَٰئِكَ: الواو عاطفة أو استئنافية، أولئك اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ أول، واللام للبعد والكاف للخطاب.
هُمُ: ضمير فصل لا محل له من الإعراب (أو مبتدأ ثانٍ).
الْمُعْتَدُونَ: خبر للمبتدأ (أولئك) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم (أو خبر لـ هم، والجملة خبر أولئك).
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على هذا النظم الكريم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سر التكرار بين الآيتين (8 و 10):
في الآية (8) قال: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}، وكان الخطاب فيها خاصاً بالصحابة الحاضرين المعاصرين للنزول بضمير الخطاب {عَلَيْكُمْ} و{فِيكُمْ}.
أما في الآية (10) فجاء الخطاب عاماً بلفظ الغيبة {فِي مُؤْمِنٍ} بصيغة النكرة في سياق النفي؛ ليعم الحكم كل مؤمن إلى قيام الساعة، وليقرر أن العلة في حقدهم ليست خلافا شخصيا أو سياسيا محدودا مع النبي وصحبه، بل هي عداوة أبدية ضد مبدأ "الإيمان" أينما وُجد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تكرار اللفظ بلا طائل بلاغي:
يزعم المستشرقون أن تكرار {لَا يَرْقُبُوا فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} بعد آيتين حشو لفظي.
الرد البلاغي الحاسم: التكرار هنا من أرقى أساليب البيان العربي لتقرير "قانون كلي"؛ فالأولى كانت تعليلاً لعدم الثقة بالمشركين المعاصرين حال الغلبة، والثانية جاءت لتجريد الوصف وحصره في "جنس الإيمان"، والتذييل بـ {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} بأسلوب القصر والحصر يبين أن البادئ بالعدوان هم المشركون، فالمسلمون حين بادوهم بالبراءة كانوا مدافعين عن أنفسهم رادعين للمعتدي.
التنكير في سياق النفي: تنكير {مُؤْمِنٍ} و{إِلًّا} و{ذِمَّةً}؛ يفيد العموم الاستغراقي الجامع العام لكل فرد مؤمن ولكل عهد وقرابة.
صيغة القصر في {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}: تعريف الطرفين مع توسط ضمير الفصل {هُمُ} يفيد قصر صفة الاعتداء عليهم كأن الاعتداء انحصر فيهم؛ لبيان فظاعة تجاوزهم لكل الحرمات والمواثيق.
الإشارة بـ {أُولَٰئِكَ}: للدلالة على بعد منزلتهم في الخسة والظلم وتجاوز الحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فهم طبيعة الصراع: الصراع بين الحق والباطل صراع عقدي قيمي، لا يمكن اختزاله في نزاع حدود أو مكاسب مادية، والوعي بهذا يحمي الأمة من الوقوع في فخ التبعية والاستسلام.
تثبيت قلوب المؤمنين المستضعفين: يعلم المؤمن أن بغض أعداء الدين له ليس لنقص في خلقه أو سوء في سلوكه، بل لشرف إيمانه بالله وتمسكه بالتوحيد.