أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "كان المنافقون إذا نزلت سورة جديدة من القرآن، خرجوا إلى مجالسهم يتهكمون ويسخرون ويغمزون المؤمنين قائلين: أيكم زادته هذه السورة إيماناً وتصديقاً؟! استخفافاً بالوحي وتثبيطاً للمسلمين؛ فأنزل الله تبارك وتعالى بياناً لرد فعل الفريقين: المؤمنين والمنافقين".
تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه:
هذه الآية الكريمة هي العمدة الكبرى والدليل القطعي عند سلف الأمة وأئمة أهل السنة والجماعة (البخاري، أحمد، الشافعي، مالك، ابن تيمية) في أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعات وتدبر الآيات والعمل الصالح، وينقص بالمعاصي والغفلة والشكوك؛ رداً على المرجئة والجهمية والمعتزلة الذين زعموا أن الإيمان كتلة واحدة لا تزيد ولا تنقص.
قال الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه): "لقيتُ أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار؛ فما رأيتُ أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص"، واستدل بهذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التراكيب في {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا}:
"أيّكم": اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، والكاف مضاف إليه، والاستفهام هنا للتهكم والإنكار.
"هذه": فاعل مؤخر لـ "زادت"، والهاء مفعول به أول.
"إيماناً": مفعول به ثانٍ لـ "زاد" منصوب بالفتحة (أو تمييز).
الإعراب المفصل:
"وَإِذَا": الواو استئنافية، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
"مَا": زائدة للتوكيد.
"أُنزِلَتْ": فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.
"سُورَةٌ": نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ "إذا".
"فَمِنْهُم": الفاء رابطة لجواب الشرط، شبه جملة خبر مقدم.
"مَّن": اسم موصول مبتدأ مؤخر في محل رفع.
"يَقُولُ": مضارع مرفوع وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"أَيُّكُمْ": "أيّ" مبتدأ، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
"زَادَتْهُ": ماض والتاء للتأنيث والهاء مفعول به أول.
"هَٰذِهِ": اسم إشارة فاعل مؤخر في محل رفع.
"إِيمَانًا": مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، وجملة "زادته هذه إيماناً" خبر المبتدأ "أيكم"، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
"فَأَمَّا": الفاء تفريعية تفصيلية، "أمّا" حرف شرط وتفصيل وتوكيد.
"الَّذِينَ": اسم موصول مبتدأ في محل رفع.
"آمَنُوا": ماض وفاعله، والصلة لا محل لها.
"فَزَادَتْهُمْ": الفاء واقعة في جواب "أمّا"، ماض ومفعولاه وفاعله مستتر تقديره هي يعود على السورة.
"إِيمَانًا": مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والجملة خبر المبتدأ "الذين".
"وَهُمْ": الواو حالية، "هم" مبتدأ.
"يَسْتَبْشِرُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر "هم"، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير في "زادتهم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين القلوب الحية والقلوب الميتة عند سماع كلام الله: القرآن الكريم كالمطر المبارك النازل من السماء؛ يصيب الأرض الطيبة فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج (المؤمنون يزدادون إيماناً واستبشاراً)، ويصيب السبخة النجسة الخبيثة فلا تزداد إلا نتناً وفساداً (المنافقون يزدادون رجساً وشكاً).
اقتران زيادة الإيمان بالاستبشار {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}: الاستبشار هو الفرح العارم الذي تشرق به الوجوه؛ دلالة على تذوق حلاوة الإيمان ونور اليقين عند سماع الآيات الجديدة والتفقه في معانيها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المرجئة في أن الإيمان مجرد التصديق الذهني الذي لا يتفاوت: تدّعي المرجئة أن إيمان آحاد الناس كإيمان أبي بكر وعمر وجبريل؛ لأن التصديق لا يتجزأ!
الدفع والمحاكمة العقلية والقرآنية القاطعة:
هذه الآية تدحض مذهب المرجئة السقيم بنص محكم لا يقبل التأويل: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}؛ فالتصديق نفسه يتفاوت بين مجرد العلم وبين عين اليقين وحق اليقين، واليقين القلبي يزيد بتظاهر الأدلة وتوارد الآيات؛ كما قال إبراهيم عليه السلام: {وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.
ثم إن الإيمان يشمل أعمال القلوب والجوارح؛ فكلما نزلت فريضة جديدة أو حد جديد فآمن به المؤمن وعمل به، زاد إيمانه تكليفاً وعملاً ونوراً؛ فالزيادة حقيقة واقعية في الكيف والكم.
أسلوب الشرط والتفصيل بـ {فَأَمَّا... فَزَادَتْهُمْ}: يفيد التحقيق وحتمية وقوع الزيادة الإيمانية للمؤمنين فور نزول السورة دون أدنى تراخٍ.
صيغة الاستفعال في {يَسْتَبْشِرُونَ}: تدل على طلب البشرى وتلقيها برغبة وشوق وابتهاج، كأنهم ينتظرون نزول الوحي انتظار الأرض العطشى لغيث السماء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
القرآن مقياس الإيمان وعلاجه اليومي: تضع الآية ميزاناً ذاتياً لكل مسلم ليفحص قلبه عند قراءة القرآن وسماعه؛ فإن وجد في قلبه خشوعاً، وبكاءً، وزيادة في اليقين، ورغبة في العمل الصالح، فليحمد الله على حياة قلبه؛ وإن وجد تثاقلاً أو مللاً فليعلم أن في قلبه دخناً يحتاج إلى مداواة عاجلة.