أسباب النزول ومرويات الباب في رسم المنهج الإيماني البديل: نزلت الآية الكريمة بياناً للدواء والمنهج الرباني القويم الذي كان ينبغي لأولئك الساخطين الطامعين في الآية السابقة أن يسلكوه؛ ليرتقوا من حضيض النفاق وجشع المادة إلى آفاق الإيمان والرضا والتوكل على الله. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد قالوا: أرشدهم الله تعالى إلى ما هو خير لهم وأنفع؛ فلو أنهم رضوا بما قسم الله ورسوله لهم وقنعوا، وتوكلوا على الله وقالوا: حسبنا الله وكافينا، سيؤتينا الله من فضله ورسوله من الغنائم والأرزاق، وإنا إلى الله وحده راغبون فيما عنده من الثواب والنعيم، لكان ذلك خيراً لهم في دنياهم وأخراهم.
أقوال أئمة السلف والتفسير في سر اقتران الرسول مع الله في الإيتاء وانفراده في التوكل والرغبة:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 326)جامع البيانالطبري١٤/٣٢٦: لو أن هؤلاء المنافقين رضوا بما قسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات والغنائم بحكم الله وشرعه، وقالوا بقلوب صادقة وألسنة مخلصة: كافينا الله ربنا، سيعطينا الله من واسع فضله ورسوله من قسمته، وإنا إلى رضوان الله وجنته راغبون لا إلى حطام الدنيا الزائل؛ لكان ذلك خيراً لهم من اللمز والسخط والنفاق.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 172)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٧٢: تضمنت هذه الآية الكريمة أدباً عظيماً وسراً بديعاً من أسرار التوحيد؛ حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله (لأن الإيتاء الشرعي يكون من الله شرعاً ومن رسوله تبليغاً وقسمة)، ثم أفرد الله تعالى بالحسب والتوكل فقال: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} ولم يقل: "حسبنا الله ورسوله"؛ لأن الحسب والكفاية حق خالص لله وحده لا يشاركه فيه مخلوق، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 226)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢٢٦: جواب {وَلَوْ} محذوف تقديره: (لكان خيراً لهم وأعظم لثوابهم)؛ وهو حذف بليغ يفيد تفخيم الخيرية؛ وفي الآية دليل على فضيلة الرضا بالقضاء والقناعة بالمقسوم.
قال الإمام ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» (جـ 3، ص 150)مدارج السالكينابن القيم٣/١٥٠: تأمل هذا الأدب القرآني الإلهي العجيب: جمع بين الله ورسوله في الإيتاء الشرعي {مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} و{سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو القاسم والله المعطي؛ وأفرد الله وحده بالتوكل والرغبة فقال: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ}، ثم قال: {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} ولم يقل "وإلى رسوله"؛ لأن الرغبة والتوكل عبادة لا تجوز إلا لله وحده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
حَسْبُنَا اللَّهُ: الحَسْب هو الكافي؛ مأخوذ من الإحساب وهو الإعطاء حتى يقول الآخذ: حَسْبي (أي كفاني). وحسبنا الله أي كافينا الله في كل مهماتنا ومخاوفنا.
رَاغِبُونَ: الرغبة هي إرادة الشيء والحرص عليه وتوجيه القلب إليه بكليته محبة وإجلالاً؛ وإذا عديت بإلى {إِلَى اللَّهِ} أفادت الرغبة في ذات الله ورضوانه وثوابه؛ وإذا عديت بعن أفادت الإعراض والزهد كقوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}.
الإعراب التفصيلي:
وَلَوْ: الواو استئنافية، لو حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.
أَنَّهُمْ: أن حرف مشبه بالفعل، وهم ضمير متصل اسمها.
رَضُوا: فعل ماض والواو فاعل.
مَا: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ رضوا (أو بحذف حرف الجر أي بما آتاهم).
آتَاهُمُ: آتى فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والهاء مفعول به أول، والميم للجمع.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَرَسُولُهُ: معطوف على لفظ الجلالة مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه؛ والجملة صلة الموصول، وجملة (رضوا) في محل رفع خبر أنّ، والمصدر المؤول (أنهم رضوا) في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره (ولو ثبت رضاهم).
وَقَالُوا: معطوف على رضوا، والواو فاعل.
حَسْبُنَا: حسب مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، ونا ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
اللَّهُ: لفظ الجلالة خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة؛ والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
سَيُؤْتِينَا: السين للاستقبال والتحقيق، يؤتينا مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، ونا مفعول به أول.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِن فَضْلِهِ: جار ومجرور متعلق بـ يؤتينا، والهاء مضاف إليه.
وَرَسُولُهُ: معطوف على لفظ الجلالة مرفوع بالضمة.
إِنَّا: إن حرف مشبه بالفعل، ونا اسمها.
إِلَى اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بـ راغبون، وقدم للاختصاص والحصر.
رَاغِبُونَ: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وجواب لو محذوف تقديره: (لكان خيراً لهم وأنفع وأهدى).
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المعالجة النفسية والتربوية الجامع العامة: بعد أن شخّصت الآية (58) داء السخط واللمز في الصدقات {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}، وضعت هذه الآية (59) الوصفة العلاجية الربانية لشفاء القلوب:
حسن الظن بالفضل الإلهي في المستقبل: {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}.
تصحيح الوجهة والقصد بالرغبة في الله وحده: {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}.
حذف جواب الشرط للتفخيم: حذف جواب {وَلَوْ} ليدل على أن ثمار هذا الرضا والتوكل أعظم من أن تحيط بها العبارات؛ ففيه سعادة الدنيا، وفيه بركة الرزق، وفيه رضوان الله والجنة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفرقة الدقيقة بين عطف الرسول على الله في الإيتاء وتجريده في التوكل والرغبة:
قد يسأل سائل: لماذا عطف الرسول على الله في قوله: {مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}، و{سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}، بينما لم يعطفه في قوله: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ}، و{إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}؟
الرد والمحاكمة العقدية البيانية المعجزة:
الإيتاء ينقسم إلى قسمين: إيتاء قدري خلقي (وهذا خاص بالله وحده)، وإيتاء شرعي وقسمة مالية (وهذا ينسب للرسول صلى الله عليه وسلم تشريعاً وقسمة بأمر ربه)؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ» (صحيح البخاري، رقم: 71)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٧١؛ فصح الجمع والعطف في الإيتاء.
أما الكفاية والتوكل والرغبة فهي عبادات محضة وتفويض مطلق: لا يصح لمخلوق أن يتوكل إلا على الخالق القادر الرازق الحي الذي لا يموت؛ فالله وحده هو الحسب والكافي {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؛ ولذلك أفرد الله بالذكر فقال: {حَسْبُنَا اللَّهُ}، وقال: {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}؛ لترسيخ كمال التوحيد وإخلاص العبادة.
تقديم المعمول في {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}: تقديم الجار والمجرور (إلى الله) يفيد الحصر والقصر؛ أي لا نرغب إلا إلى الله وحده، ولا نطلب النعيم إلا منه؛ وهذا هو الترياق الحاسم لدحر طمع المنافقين في فتات الدنيا.
التعبير بالسين في {سَيُؤْتِينَا}: سين الاستقبال تفيد اليقين التام بالفرج وحسن الظن بسعة فضل الله الذي لا ينفد أبداً.
الإسناد إلى الفضل {مِن فَضْلِهِ}: لتربية العبد على أن ما يناله من ربه هو محض فضل وجود وإحسان، وليس حقاً واجباً له يدعي به على ربه ورسوله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كلمات الشفاء وطرد الهموم: هذه الآية الكريمة منهج حياة لكل مسلم يمر بضيق ذات اليد أو تأخر الرزق؛ فإذا لزمها وقال: «حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ»، رزقه الله القناعة، وفتح له أبواب الفضل والبركة والسكينة.
الرضا بالمقسوم جنة الدنيا: من رضي بما قسم الله له كان أغنى الناس، ومن سخط واشتاقت عينه لما في أيدي الآخرين عاش فقيراً مذموماً ولو ملك كنوز قارون.