أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى جماعة من يهود المدينة (سَلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، ومحمود بن دحية) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله؟! فأنزل الله عز وجل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}. وكان عزير نبياً أو عبداً صالحاً من أنبياء بني إسرائيل حفظ التوراة وأعاد جمعها وتلاوتها عليهم بعد السبي البابلي وزوال نسخ التوراة، فغلا فيه بعضهم حتى زعموا فيه البنوة. وأما النصارى فغلوهم في عيسى المسيح ابن مريم عليه السلام مشهور مقرر في مجامعهم المنحرفة بعد التحريف البولسي.
أقوال أئمة السلف والتفسير في المقالة الباطلة والمضاهاة:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 220)جامع البيانالطبري١٤/٢٢٠: بيّن تعالى وجه فساد دينهم المانع من وصفهم بالإيمان الصحيح بالله؛ فاليهود قالوا عزير ابن الله (وإن كان القائل طائفة منهم، فإن الباقين رضوا بذلك ولم ينكروه)، وقالت النصارى عيسى ابن الله؛ وهذا القول الشنيع إنما هو كلام مجرد بأفواههم لا برهان عليه ولا حجة تسنده.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 136)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٦: قوله {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ}: أي يشابهون في قولهم هذا مقالات مشركي الوثنيين القدماء من الفلاسفة وأمم الشرك السابقة كاليونان والمصريين والبابليين والهنود الذين ادعوا أن لآلهتهم أبناء وبنات من دون الله؛ فأخذ أهل الكتاب هذه العقائد الوثنية ودسوها في دينهم التوحيدي.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 142)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٤٢: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} دعاء عليهم بالهلاك واللعنة والخزي من الله؛ وهو أبلغ تعبير عن غضب الله ومقته لهذه المقالة الكفرية الشنيعة.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 335)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٥: كيف ينسبون لله الولد وهو الأحد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد والشريك؟! وقوله {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تعجيب من انصراف عقولهم عن البدهيات العقلية إلى هذه الترهات المظلمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
عُزَيْرٌ: اسم علم أعجمي معرب بالتصغير (عزرا في العبرية)، وصرف لخفته وكونه ثلاثياً بالتصغير.
الْمَسِيحُ: لقب عيسى بن مريم عليه السلام؛ فعيل بمعنى مفعول لأنه مُسِح بالبركة والطهارة، أو فعيل بمعنى فاعل لأنه كان يمسح على ذوي العاهات والأكمه والأبرص فيبرؤون بإذن الله.
يُضَاهِئُونَ: يماثلون ويشابهون ويحاكون، مأخوذ من المضاهاة وهي المشابهة والمحاكاة في الصورة أو القول.
قَاتَلَهُمُ اللَّهُ: صيغة تفيد اللعن والإبعاد والهلاك والتعجيب من ضلالهم؛ لأن من قاتله الله فهو مغلوب هالك ملعون لا محالة.
يُؤْفَكُونَ: الإفك الصرف والانقلاب عن الحق إلى الباطل، يقال أفك فلاناً إذا قلبه وصرفه عن وجهته، والمأفوك المصروف عن الرشد.
الإعراب التفصيلي:
وَقَالَتِ: الواو استئنافية، قالت فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين.
ابْنُ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، ولا تحذف ألفه لأنه وقع خبراً ولم يقع نعتاً بين علمين، ولفظ الجلالة مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ: عطف على الجملة السابقة نظير إعرابها.
ذَٰلِكَ: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
قَوْلُهُم: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
بِأَفْوَاهِهِمْ: جار ومجرور حال من قولهم أو متعلق به.
يُضَاهِئُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من ضمير قولهم.
قَوْلَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
الَّذِينَ: اسم موصول مضاف إليه.
كَفَرُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
مِن قَبْلُ: جار ومجرور متعلق بـ كفروا.
قَاتَلَهُمُ: فعل ماض، والهاء مفعول به والميم للجمع وحركت بالضم لالتقاء الساكنين.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع، والجملة دعائية إنشائية لا محل لها.
أَنَّىٰ: اسم استفهام بمعنى كيف أو من أين مبني على السكون في محل نصب على الحال.
يُؤْفَكُونَ: مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
توجيه القراءات:
قرأ الكسائي وعاصم في رواية بضم همزة {يُضَاهُونَ} دون همز، وقرأ الباقون من العشرة {يُضَاهِئُونَ} بالهمز، وهما لغتان فصيحتان: ضاهأ يضاهئ، وضاهى يضاهي.
وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بتنوين {عُزَيْرٌ} منصرفاً، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو جعفر بترك التنوين {عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ} تخلصاً من التقاء الساكنين وإجراءً للاسم الأعجمي مجرى الممنوع من الصرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البرهان العقدي على علة الأمر بقتالهم: لما بيّن في الآية (29) أنهم {لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}، جاءت هذه الآية (30) لتبرهن على ذلك بالأدلة الواقعية من نصوص مقالاتهم؛ فبينت أن زعمهم بنوة عزير والمسيح كفر صريح يماثل كفر الوثنيين القدماء، ويسقط دعوى انتسابهم الصادق لتوحيد إبراهيم وموسى.
كشف البعد التاريخي والنسخ الفكري: قوله {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} كشف تاريخي إعجازي سبق به القرآن علوم الأديان المقارنة بقرون؛ حيث أثبت أن فكرة التجسد والبنوة الإلهية منقولة من الوثنيات الشرقية القديمة (البابلية والفرعونية واليونانية والبرهمية).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة "اليهود عموماً لا يقولون عزير ابن الله":
يثير المستشرقون شبهة حول قوله {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}، زاعمين أن التوراة واليهودية الحالية لا تعترف بأن عزيراً ابن الله، فكيف نسب القرآن ذلك لليهود؟
الرد العلمي التاريخي القاطع:
القرآن خاطب يهود يثرب والجزيرة العربية المعاصرين للنزول بهذا النص في المدينة المنورة علناً، وكانوا حريصين كل الحرص على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم والتقاط أي هفوة عليه، فلو لم تكن هذه مقالة موجودة ومشهورة في طوائفهم لما سكتوا عنها؛ وسكوتهم المطلق إقرار قاطع بأن هذا القول كان معروفاً ومقرراً عندهم (كما وثقه ابن عباس في سبب النزول بمواجهة زعماء يهود المدينة كسلام بن مشكم).
القاعدة البلاغية في لسان العرب تقرر أن: القول ينسب للجماعة إذا قاله فريق منهم ورضي به الآخرون وسكتوا عنه ولم ينكروه؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}، مع أن القاتل كان رجلاً واحداً من أسلافهم.
أثبتت الدراسات التاريخية والآثارية المعاصرة وجود فرق يهودية منشقة في اليمن والجزيرة ومصر (كطائفة الأسينيين ومترجمي بعض الأسفار المنحولة كـ «رؤيا عزرا الرابع») كانت تبالغ في تعظيم عزير وتطلق عليه ألقاباً تقارب البنوة والفيض الإلهي، فجاء القرآن ليكشف هذه الانحرافات.
التقييد بقوله {بِأَفْوَاهِهِمْ}: هذا الوصف لإبراز تفاهة القول وخلوه من أي رصيد من الحقيقة أو البرهان؛ أي هو مجرد أصوات تلوكها الأفواه بلا عقل ولا وحي يسنده، كمن يقول ما لا يعقل.
التنكير والحكم باللعنة {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ}: صيغة تعجيب وتنفير ولعن تثير في نفس السامع أقصى درجات الاشمئزاز من هذه الجرأة الوقحة على الذات الإلهية العلية.
الاستفهام التعجبي في {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}: لبيان أن انصرافهم عن التوحيد البدهي إلى خرافات التجسيد والشرك ضرب من السفه والانتكاس العقلي الذي لا يقع فيه ذو بصيرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنزيه الله عن النقص والشريك: التوحيد الخالص هو تاج الدين؛ وأعظم جريمة فكرية هي تجسيد الإله أو نسبة الولد والصاحبة إليه؛ وواجب المسلم أن يستشعر عظمة الله المنزه عن كل نقص.
الحذر من تقليد الأمم الغابرة: حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع في مضاهاة أهل الكتاب ومناهج الشرك: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» (صحيح البخاري، رقم: 7320)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٧٣٢٠؛ فالواجب صيانة العقيدة من الغلو والانحراف.