تحقيق الرواية المشهورة في شأن ثعلبة بن حاطب الأنصاري:
اشتهر في كثير من كتب التفسير حديث مروي عن ثعلبة بن حاطب أنه سأل النبي ﷺ أن يدعو الله له بالمال، فقال له: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"، فألح وعاهد الله، فرزقه الله غنماً نمت حتى ضاقت بها المدينة، فمنع الزكاة لما جاءه المصدق وقال: هذه أخت الجزية!
التحقيق الحديثي الصارم عند أئمة الجرح والتعديل: أجمع جهابذة الحديث ونقاد الأثر (ابن حزم في المحلى، والذهبي في الميزان وتجريد الصحابة، وابن حجر العسقلاني في الإصابة وفتح الباري، والقرطبي، والألباني) على أن حديث ثعلبة هذا ضعيف جداً ومنكر لا يصح سنده قط؛ لمداره على علي بن يزيد الألهاني وهو متروك الحديث، وثعلبة بن حاطب الأنصاري رضي الله عنه صحابي بدري جليل شهد بدراً وأحداً، وأهل بدر مغفور لهم بنص الحديث المتواتر في الصحيحين: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فلا يليق بمقام هذا الصحابي البدري أن يُنسب إليه النفاق والبخل ومنع الزكاة.
التوجيه التفسيري الصحيح للآية: الآية نزلت في صنف من المنافقين الذين لم يُسمّوا، أو في معتب بن قشير ورفقائه من المنافقين كما رجحه مجاهد وقتادة والضحاك، أو هي تشريع عام يصف نموذجاً بشرياً متكرراً يعاهد الله في الشدة والفقر، فإذا آتاه الله النعمة والغنى نكث عهده وبخل وأعرض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
"لَنَصَّدَّقَنَّ": اللام واقعة في جواب القسم المقدر، ونصدقنّ مضارع مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، وأصله (لنتصدقنّ) فأدغمت التاء في الصاد لقرب المخرج.
"وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ": معطوف مؤكد بنون التوكيد؛ وعدوا ببذل المال (لَنَصَّدَّقَنَّ) وصلاح السلوك والعمل والعبادة (وَلَنَكُونَنَّ).
الإعراب المفصل:
"وَمِنْهُم": الواو استئنافية، شبه جملة جار ومجرور خبر مقدم.
"مَّنْ": اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
"عَاهَدَ": فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"اللَّهَ": لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة.
"لَئِنْ": اللام موطئة للقسم، "إن" شرطية.
"آتَانَا": ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله، و"نا" ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول في محل جزم فعل الشرط.
"مِن فَضْلِهِ": جار ومجرور متعلق بـ "آتانا"، والهاء مضاف إليه.
"لَنَصَّدَّقَنَّ": اللام واقعة في جواب القسم المقدر، ومضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن، وجملة جواب القسم لا محل لها وأغنت عن جواب الشرط.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشريح أمراض النفوس في تقلب الأحوال: بعد أن حذر من النفاق والمكر، يكشف القرآن هنا حيلة نفسية خبيثة يلجأ إليها أصحاب الإيمان الهش؛ حيث يقيدون طاعتهم وصدقتهم بالرخاء المادي، فإذا جاء الرخاء نسوا ما عاهدوا الله عليه وتبدلت نياتهم.
التوكيدات البلاغية الصارمة في العهد: استعملوا في عهدهم أعلى درجات التوكيد (القسم، لام التوكيد، نون التوكيد الثقيلة مرتين)، ليدل على إظهارهم الحرص والجدية المطلقة في الوفاء، ولكن كل هذه التوكيدات انهارت عند أول اختبار عملي للمال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الطعن في الصحابة البدريين بقصة ثعلبة: اتخذ بعض أعداء السنة قصة ثعلبة تكأة للطعن في عدالة الصحابة وعصمة الرعيل الأول.
الدفع والمحاكمة المنهجية:
الرواية باطلة سنداً ومتناً كما قرر أئمة الحديث وجهابذة نقد الأسانيد.
القرآن العظيم يضع السنن العامة ويحذر من النفاق في كل زمان ومكان؛ فالآية تتناول من انطبقت عليه هذه الصفة من المنافقين، وصحابة بدر برآء من هذا الوصف بما تواتر من نصوص الكتاب والسنة في فضلهم وجهادهم وبذلهم لأرواحهم وأموالهم رضي الله عنهم أجمعين.
التنكير في "فَضْلِهِ" والتبعيض بـ "مِن": {مِن فَضْلِهِ} استعطاف وتواضع كاذب؛ كأنهم يقولون: لا نريد إلا شيئاً يسيراً من فضلك يا رب لننطلق في الصدقات والصلاح، فلما آتاهم الله الجزيل بخلوا باليسير.
المقابلة بين القول والعمل: إبراز الفجوة الهائلة بين بلاغة اللسان وقوة العهود المنمقة، وبين عجز الإرادة وخيانة النفس عند حلول استحقاق البذل والامتحان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة نذر المعاوضة والاشتراط على الله: ينهى الشرع المطهر عن نذر المعاوضة؛ كأن يقول: "إن شفاني الله لأتصدقن بكذا، وإن رزقني لأصلين"، وفي الحديث المتفق عليه: "إن النذر لا يأتي بخير وإنما يُستخرج به من البخيل"؛ فالواجب على العبد أن يعبد ربه شكراً وامتثالاً في السراء والضراء دون تعليق.
تزكية النفس بالوفاء بالعهود: تربية النفس على الصدق مع الله والوفاء بالالتزامات والمواثيق؛ فإن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وكثير من الناس يظن أنه إذا ملك الملايين تصدق وبنى المساجد، فإذا رزقه الله أسرته شهوة الجمع والبخل.