أسباب النزول ومرويات الباب في معادلة الفوز الحتمي للمؤمن: استكمال للمناظرة العقدية والرد الإلهي الصاعق على المنافقين المتربصين الدوائر بالمسلمين. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن زيد قالوا: كان المنافقون يقولون: نتربص بمحمد وأصحابه أن يهلكوا في هذا السفر البعيد، أو تقتلهم الروم فنستريح منهم! فأنزل الله رداً يفحمهم ويبين أن المؤمن رابح في كلتا الحالتين؛ إما النصر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة؛ فكلا الأمرين حسنى وكرامة، بينما المنافق خاسر هالك على كل تقدير.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى {إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ}:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 303)جامع البيانالطبري١٤/٣٠٣: قل يا محمد للمنافقين: ما تنتظرون أن يقع بنا إلا إحدى العاقبتين الحسنيين: إما نصر وظفر يعز الله به دينه ونرجع به غانمين، وإما شهادة في سبيل الله وموت على الحق ندخل به الجنة؛ وكلا الأمرين غاية الفوز والمنى؛ ونحن ننتظر بكم أن يحل الله بكم عذاباً عاجلاً من عنده بصاعقة أو قارعة تهلككم، أو بأيدينا بقتلكم وأسركم إن أظهرتم ما تبطنون؛ فانتظروا ما يحل بكم إنا معكم منتظرون ما وعدنا الله من نصره وعقوبتكم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 165)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦٥: أي ليس لنا إلا عاقبة حميدة وخير مستمر: الظفر والنصر في الدنيا، أو الشهادة والدرجات العلى في الآخرة؛ فأي الأمرين وقع فهو حسنى وفوز مبين؛ وأما أنتم فليس لكم إلا إحدى السوءتين: عذاب ينزل بكم من السماء فيهلككم، أو بأيدي المؤمنين بالسيف إذا مكن الله منهم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 208)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢٠٨: الحسنيان تثنية الحسنى وهي العاقبة الحسنة، والمراد النصر أو الشهادة؛ واستدل بالآية على أن المؤمن لا ينهزم أبداً في حقيقة أمره؛ لأن الشهادة أعظم المقاصد، والنصر أعظم المكاسب.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 340)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤٠: هذه من أعظم الآيات في شحذ همم المجاهدين؛ فالمعركة عند المؤمن ليست فيها خسارة قط؛ فالمجاهد بين أمرين كلاهما غاية الشرف والفوز: إما يعيش عزيزاً منصوراً، أو يموت شهيداً في جنات النعيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الْحُسْنَيَيْنِ: تثنية الحُسْنَى، وهي مؤنث الأحسن، واسم تفضيل مؤنث يدل على الخصلة التي بلغت الغاية في الحسن والفضل والجمال؛ والمراد بهما: النصر أو الشهادة.
بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ: العذاب القدري الكوني كالصواعق والزلازل والأمراض التي تهلكهم بلا قتال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
صياغة قانون النصر الوجودي للمؤمن: تضع هذه الآية المعادلة المنطقية الإعجازية التي ترعب كل أعداء الدين؛ فخصم المؤمن يواجه رجلاً لا يمكن أن يُهزم أبداً بمقاييس الإيمان؛ فإن قَتَلَ فاز بالتمكين والفتح في الدنيا، وإن قُتِلَ فاز بالفردوس الأعلى والشهادة؛ فأين مدخل الهزيمة على هذا القلب؟!
المقابلة بين عاقبة الفريقين:
المؤمن يترقب: {إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (النصر أو الشهادة، وكلاهما حسنى).
والمنافق ينتظره: (إحدى السوأيين: عذاب إلهي مهلك، أو قتل بأيدي المؤمنين وخزي أبدي).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدّ الموت والقتل في الحرب "حسنى وفوزاً":
ينظر الفكر المادي العلماني إلى القتل في المعركة على أنه خسارة ونهاية حتمية مأساوية؛ فكيف يصفه القرآن بأنه "إحدى الحسنيين"؟
الرد والمحاكمة العقلية والروحية العليا:
الموت واقع على كل نفس لا محالة حتمياً: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}؛ والإنسان قد يموت على فراشه بالمرض أو الهرم؛ فأن يموت مقبلاً غير مدبر في سبيل الله باذلاً دمه دفاعاً عن الحق والمظلومين هو "أشرف ميتة وأعظم ختام لحياة الآدمي".
الشهادة في القرآن ليست عدماً ولا فناءً، بل هي حياة برزخية عليا أكمل وأرقى من حياة الدنيا: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}؛ فالشهيد ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الجنة وضيافة الرحمن مباشرة.
هذه العقيدة هي التي صنعت معجزات الفتوحات الإسلامية؛ فالجيوش التي تطلب الشهادة كما يطلب عدوها الحياة لا يمكن أن تقهر أبداً.
التعبير بصيغة التأنيث والتفضيل {الْحُسْنَيَيْنِ}: لبيان أن كلا الأمرين قد بلغ الذروة والكمال في الحسن؛ فلا شائبة نقص ولا مكروه في أي منهما للمؤمن.
التحدي بالأمر بالتربص {فَتَرَبَّصُوا}: أمر تهديدي تهكمي يقطع كل أمل للمنافقين ويشعرهم بأن عذابهم آتٍ لا ريب فيه.
المعية في التربص {إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}: إبراز لثقة المؤمن المطلقة بنصر ربه وتطمين لقلبه؛ فالمسألة مسألة وقت قصير حتى تنكشف العواقب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة الإيمانية المطلقة: من استقر في قلبه يقين "إحدى الحسنيين" لم يخف في الله لومة لائم، ولم ترعبه تهديدات الطغاة وقوى الاستكبار العالمي.
الرضا بالشهادة والنصر معاً: المؤمن لا يقاتل للموت طلباً للموت ذاته، بل يقاتل لإعلاء كلمة الله؛ فإن كتب الله له النصر أقام العدل، وإن رزقه الشهادة نال الفوز الأبدي.