أسباب النزول ومرويات الباب: متصلة بسبب نزول الآية السابقة؛ لما ذكر الله عدم استواء السقاية والعمارة مع الإيمان والجهاد، فصّل في هذه الآية الكريمة بيان الرتبة الحقيقية لأهل الإيمان والهجرة والجهاد، وأثبت لهم الفوز المطلق.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 184)جامع البيانالطبري١٤/١٨٤: الذين صدقوا الله ورسوله، وفارقوا ديار الشرك مهاجرين إلى الله، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في قتال أعدائه لإعلاء كلمته، أعظم منزلة ورفعة وشرفاً عند الله من سُقاة الحجيج وعُمّار المسجد الحرام من المشركين أو من القاعدين من المسلمين، وأولئك هم الفائزون برضوان الله وجنته والناجون من سخطه وعذابه.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 125)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٥: صرح تعالى بعلو درجات المجاهدين المهاجرين، وأنهم الفائزون بالدرجات العلى في الجنات، وحصر الفوز فيهم لبيان عظيم فضلهم وسابقتهم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 113)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١١٣: الآية حجة قاطعة على فضل المهاجرين المجاهدين على كل من سواهم ممن لم يهاجر ولم يجاهد؛ والدرجة في لغة العرب المنزلة الرفيعة، واستعملت هنا للرتب الأخروية في الجنة.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 333)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٣: نالوا الفوز التام بكل مطلوب محبوب، والنجاة من كل مكروه مرهوب، بسبب جمعهم بين الإيمان القلبي، والهجرة بالبدن، والجهاد بالمال والنفس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
أَعْظَمُ دَرَجَةً: أعظم اسم تفضيل من العظمة، والدرجة المرقاة والمنزلة العالية الشريفة؛ وأصلها مراقي السلم التي يُرتقى عليها.
الْفَائِزُونَ: الفوز هو الظفر بالخير والنعيم مع النجاة والخلود والسلامة من الهلاك والشر.
الإعراب التفصيلي:
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ أول.
آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا: أفعال ماضية، والواو فاعل في الجميع، والجمل صلة الموصول وما عطف عليها.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بـ جاهدوا.
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ: جار ومجرور ومعطوف متعلق بـ جاهدوا.
أَعْظَمُ: خبر المبتدأ الأول (الذين) مرفوع بالضمة الظاهرة.
دَرَجَةً: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة منقول عن المبتدأ (أي: درجاتهم أعظم الدرجات).
عِندَ اللَّهِ: ظرف مكان متعلق بـ أعظم، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
وَأُولَٰئِكَ: الواو عاطفة أو استئنافية، أولئك اسم إشارة مبتدأ.
هُمُ: ضمير فصل لا محل له من الإعراب (أو مبتدأ ثانٍ).
الْفَائِزُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من النفي الإجمالي إلى الإثبات التفصيلي: في الآية (19) نفى الاستواء بصفة عامة {لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ}، وهنا في الآية (20) أثبت الدرجة العظمى والفوز الحصري للمهاجرين المجاهدين؛ ليتكامل البيان بالنفي والإثبات.
التلازم بين ثلاثية الخلاص: ربطت الآية الفوز المطلق بمنظومة متكاملة: (الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد بالمال والنفس)؛ إشعاراً بأن الإيمان دعوى لا تصدق إلا بالهجرة والمفاصلة، والتضحية بالمال والدم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استعمال صيغة التفضيل {أَعْظَمُ دَرَجَةً} مع المشركين:
قد يسأل سائل: إذا كان الطرف المقابل مشركين لا عمل لهم ولا درجة لهم في الجنة، فكيف قال {أَعْظَمُ دَرَجَةً} وصيغة التفضيل تقتضي اشتراك الطرفين في أصل الفضل؟
الرد والتحقيق النحوي والبلاغي:
أسلوب التفضيل في القرآن ولغة العرب قد يأتي على سبيل سلب الوصف عن الطرف الآخر بالكلية؛ كقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} (الفرقان: 24)، مع أن النار لا خير فيها ولا حسن مقيل قط.
المقارنة هنا ليست مع الكفار فقط، بل تشمل المسلمين الذين لم يهاجروا ولم يجاهدوا وقنعوا بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام؛ فالمجاهدون المهاجرون أعظم درجة منهم عند الله.
الحصر والقصر في {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}: تعريف الطرفين مع ضمير الفصل يفيد قصر الفوز التام عليهم؛ كأن من عداهم لم يفز بشيء إذا قورن بفوزهم العظيم.
الإشارة بـ {أُولَٰئِكَ}: للدلالة على علو كعبهم ورفعة مكانتهم السامية في الملأ الأعلى.
النصب على التمييز في {دَرَجَةً}: تنكير درجة يفيد التهويل والتعظيم؛ أي نالوا درجة تفوق حد الوصف والتصور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استنهاض الهمم للتضحية: المؤمن لا يرضى بالدون من الرتب في الآخرة، بل يتطلع إلى أعلى الدرجات، والسبيل إلى ذلك هو بذل النفس والمال في نصرة دين الله.
حقيقة الفوز: الفوز الحقيقي ليس في حيازة الألقاب والأموال في الدنيا، بل في نيل الدرجات العلى عند الله ورضوانه المقيم.