أسباب النزول ومرويات الباب في ترسيخ عقيدة القضاء والقدر: جاءت هذه الآية الكريمة تلقيناً نبوياً وردّاً إيمانياً قاطعاً على مقالة المنافقين وشماتتهم وتبجحهم في الآية السابقة؛ لتبين الفارق الجذري بين عقيدة المؤمن الراسخة في القضاء والقدر، وبين النفعية المادية للمنافقين. أخرج أحمد في المسند (رقم: 2763)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٦٣ والترمذي (رقم: 2516)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥١٦ من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ... وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
أقوال أئمة السلف والتفسير في سر التعبير بـ {كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 300)جامع البيانالطبري١٤/٣٠٠: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الشامتين: لن يصيبنا في مسيرنا وحربنا إلا ما قضاه الله علينا وسطره في اللوح المحفوظ أزلاً وقدره بحكمته؛ وكل ما قدره وقضاه لنا فهو خير وكرامة وفضل وإحسان؛ لأنه ولينا وناصرنا وحافظنا، وعلى الله وحده فليعتمد المصدقون به في كل أحوالهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 164)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦٤: أمر تعالى نبيه أن يجيبهم على شماتتهم بأننا تحت مشيئة الله وقدره؛ وما كتبه الله لنا فهو واقع لا محالة، ونحن راضون بقضائه، وهو مولانا وسيدنا وملجؤنا.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 206)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢٠٦: قوله {كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} ولم يقل "علينا" من أعظم اللطائف البلاغية والقرآنية؛ لأن كل ما يقضيه الله على المؤمن من شدة أو قتل أو مصيبة فهو "له" في المآل والحقيقة؛ لأنه يثاب عليه وينال به درجات الشهادة والكرامة والأجر العظيم، فالمصيبة في حق المؤمن منحة ولطف.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 340)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤٠: هذه الآية حصن الأمان وعماد التوكل؛ فالمؤمن يعلم أن الحذر لا يدفع القدَر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله وليه يتولاه بأحسن تدبير، فيطمئن قلبه ويسكن روعه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد العقائدي الصاعق على المادية النفعية: بعد أن قال المنافقون بتبجح {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} ظانين أن حيلتهم وتخلفهم هو الذي نجاهم، لقّن الله نبيه هذا الرد الحاسم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}؛ ليعلموا أن النجاة والهلاك بيد الله وحده، وأن حذر الحاذرين لا ينجي من قدر الله.
الارتقاء من الخوف إلى الولاية المطلقة: قوله {هُوَ مَوْلَانَا} يعلل الرضا المطلق بالقضاء؛ فمن كان الله مولاه وسيده وحبيبه علم أنه لا يقضي له إلا الخير، وإن كان في ظاهر الأمر مشقة وألماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التواكل وإلغاء الأخذ بالأسباب:
قد يزعم من يجهل حقيقة التوكل الإسلامي أن الآية تدعو إلى التواكل وترك الحيطة والاحتراز العسكري.
الرد والمحاكمة الشرعية والعقلية:
القرآن قرن بين "الإيمان بالقضاء والقدر" وبين "الأمر الصارم بالأخذ بالأسباب والإعداد" في السورة ذاتها: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} و{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لبس الدرعين في أحد، وهاجر بالأسباب متخفياً، وجهز الجيوش.
التوكل في الإسلام عمل قلبي ينزع التعلق بالسبب، بينما الجوارح تعمل بالسبب؛ فالأسباب مطلوبة شرعاً لكنها لا تستقل بالتأثير إلا بإذن الله.
الإيمان بالقضاء والقدر يمنح المجاهد الشجاعة الخارقة؛ لأنه يعلم يقيناً أن الرصاصة التي ستصيبه قد كتبها الله قبل أن يُخلق، والتي لم تكتب عليه لن تصيبه ولو انطبقت عليه السماء والأرض؛ فيقدم كالليث لا يرهب الموت.
اللطيفة الإعجازية في استعمال اللام {لَنَا} دون (علينا): لم يقل "ما كتب الله علينا"، بل قال {لَنَا}؛ للإشعار بأن قضاء الله في حق المؤمن رحمة ونعمة وفضل في كل حال؛ حتى الموت والشهادة هي "له" وليست "عليه" لأنها ترقيه إلى أعلى عليين.
الحصر بـ {لَّن... إِلَّا}: نفي واستثناء يفيد الحصر القاطع؛ ليطرد كل وسواس من الصدفة أو تسلط المخلوقين؛ فلا يصيبنا إلا قضاء مولانا.
تقديم المعمول في {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ}: تقديم الجار والمجرور لإفادة قصر التوكل والاعتماد على الله وحده، فلا يتوكل المؤمن على سلاحه ولا على عدده ولا على خلقه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بلسم القلوب وسلوة المصائب: هذه الآية الكريمة أعظم دواء لأحزان المؤمن وهمومه؛ فإذا حلت به نازلة أو مصيبة ردد بقلب مطمئن: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا}، فيتبدد الحزن ويفيض القلب بالرضا والسكينة.
حقيقة الولاية الإلهية: من جعل الله مولاه كفاه ما أهمه، وأعانه على ما ألمه، وحوله من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.