الخطة الاستراتيجية العسكرية في قتال الأقرب فالأقرب:
أجمع أئمة التفسير والسير (الطبري، ابن كثير، القرطبي) على أن هذه الآية الكريمة تضع القاعدة الاستراتيجية العسكرية الكبرى للفتوحات والجهاد في سبيل الله؛ وهي الابتداء بالأقرب فالأقرب من ديار الكفر والعدوان.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/194): "أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأولاً، الأقرب فالأقرب إلى دار الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وعمان وسائر أرجاء الجزيرة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، شرع في قتال أهل الكتاب؛ فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الأمم إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة، حتى انتهى إلى تبوك ثم رجع لضيق الحال في ذلك العام؛ ثم ندب بعد ذلك أسامة بن زيد إلى الشام، فلما قبضه الله قام خليفته الصديق أبو بكر رضي الله عنه بإنفاذ جيش أسامة، ثم أتبع ذلك بجيوش الفتح إلى بلاد الشام لقتال الروم، وإلى بلاد العراق لقتال الفرس، وهكذا سار الفاروق عمر وذو النورين عثمان رضي الله عنهم أجمعين؛ عملاً بهذا الأصل القرآني الحكيم".
تفسير "وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً":
قال ابن عباس ومجاهد والحسن: أي شدة وصبرة وحمية وشهامة وشجاعة وقوة في قتالهم، حتى يرهبكم العدو ولا يطمع في ضعفكم ولا استكانتكم، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}: تذكير بأن هذه الشدة العسكرية يجب أن تكون محكومة بتقوى الله، وعدم البغي، وحفظ العهود، وعدم قتل النساء والصبيان والرهبان؛ فمعية الله وتأييده ونصرته خاصة بأهل التقوى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "يَلُونَكُم" لغة:
يَلُونَكُمْ: فعل مضارع من وَلِيَ يَلِي وِلايَةً، إذا قَرُبَ ودنا منه، ومنه: "جلستُ مما يليني"، و"الموالي" للقرابة والقرب المكاني والنسبي؛ والمراد هنا: الكفار المجاورون لكم جغرافياً الأقرب فالأقرب.
الإعراب المفصل:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا": نداء وتنبيه ونعت مبني على الضم في محل نصب.
"قَاتِلُوا": فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
"الَّذِينَ": اسم موصول في محل نصب مفعول به لـ "قاتلوا".
"يَلُونَكُم": مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"فِيكُمْ": متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ "يجدوا" (أو متعلق بـ "يجدوا").
"غِلْظَةً": مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
"وَاعْلَمُوا": عاطف وأمر مبني على حذف النون وفاعله.
"أَنَّ اللَّهَ": "أنّ" حرف توكيد ونصب ولفظ الجلالة اسمها.
"مَعَ": ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر "أنّ"، وهو مضاف.
"الْمُتَّقِينَ": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي "اعلموا".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الدفاع والتثبيت إلى التمدد والفتح العالمي: بعد أن فرغت سورة التوبة من تطهير الجبهة الداخلية في المدينة، وحسمت قضية مسجد الضرار، وأبانت عن معاذير المتخلفين وتوبة الصادقين، انتقلت في ختامها إلى رسم الاستراتيجية الدائمة للأمة؛ وهي الانطلاق في حمل رسالة الإسلام وحماية حدوده بقتال المجاورين لفتح الآفاق لدخول الناس في دين الله.
التوازن بين الغلظة والتقوى: قرن الأمر بالغلظة والشدة العسكرية بـ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}؛ لئلا تتحول الشدة إلى بطش أعمى وظلم واستعلاء، بل تظل منضبطة بموازين التقوى والعدل والرحمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدوانية الإسلام بدعوى قتال الجيران: يزعم بعض المستشرقين أن قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ} دليل على عدوانية الإسلام وتوسعه بالعنف على حساب جيرانه المسالمين!
الدفع والمحاكمة العقلية والتاريخية المحكمة:
هذا فهم مغلوط مبتور عن سياقه؛ فالقتال في الإسلام له مقاصد نبيلة معلنة: إزالة الطواغيت الذين يحولون بين الشعوب وسماع كلمة الحق، ورد العدوان، وحماية المستضعفين: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}.
والابتداء بالأقرب منطق عسكري وعقلي بديهي تتبعه كل الدول؛ فلا يمكن لدولة أن تؤمّن حدودها وتبسط نفوذها إلا بحماية أطرافها المتاخمة أولاً لئلا تُطعن من الخلف.
والإسلام لا يقاتل من سالمه وعاهده إذا أدى الجزية أو وادع المسلمين: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}؛ فالقتال موجه للمحاربين والمتربصين بأمن الدولة الإسلامية.
التعبير بـ {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً}: لم يقل "واغلظوا عليهم" فقط، بل قال: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ}؛ مما يفيد أن الشجاعة والمهابة والغلظة في وجه الأعداء صفة أصيلة كامنة في كيان المجتمع المسلم، يجدها العدو شاخصة أمامه أينما واجههم؛ لتتحقق الهيبة والردع.
معية الله للمتقين {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}: معية خاصة تقتضي النصر، والتأييد، والتسديد، والحفظ في المعارك؛ ولا تُنال بالقوة العسكرية المجردة بل بتحقيق التقوى في القلوب والسلوك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه الأولويات في العمل الإسلامي: الابتداء بالأقرب فالأقرب قاعدة تربوية ودعوية وإصلاحية عامة؛ فالداعية يبدأ بنفسه، ثم أهله وأقاربه، ثم جيرانه ومجتمعه، ثم يتوسع؛ وكذلك الدولة الإسلامية ترتب أولويات دفاعها وتنميتها بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب.
الهيبة الإيمانية وكسر شوكة العدو: على الأمة الإسلامية أن تمتلك أسباب القوة والردع التي تجعل أعداءها يحسبون لها ألف حساب، فلا يطمعون في أرضها ومقدساتها وثرواتها.