أسباب النزول ومرويات الباب: روى البخاري في صحيحه (رقم: 392)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٢ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ». وروى النسائي في سننه (رقم: 2443)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٤٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ دِمَاءَ أَهْلِ القِبْلَةِ».
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 152)جامع البيانالطبري١٤/١٥٢: فإن رجع هؤلاء المشركون عما هم عليه من الشرك إلى التوحيد الخالص، وأقاموا الصلاة المكتوبة بحدودها، وأعطوا الزكاة المفروضة لمستحقيها؛ فهم إخوانكم أيها المؤمنون في دين الله وأحكامه، لهم ما لكم من الحقوق وعليهم ما عليكم من الواجبات، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 116)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٦: هذه الآية الكريمة فتحت باب الرحمة والإخاء؛ فبينت أن دماءهم وأموالهم تعصم، بل يصيرون إخوة في الدين بمجرد التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فتزول كل عداوة سابقة وتُمحى كل دماء مضت.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 90)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٩٠: استدل العلماء بهذه الآية على أن تارك الصلاة والزكاة عمداً وجحوداً أو امتناعاً لا تثبت له الأخوة الإيمانية، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن لم يزك فلا صلاة له».
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 330)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٠: رتب الله الأخوة الإيمانية على هذه الأركان الثلاثة: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة التي هي حق الله البدني، وإيتاء الزكاة التي هي حق العباد المالي؛ فإذا تحققت هذه الثلاث استقرت الأخوة وحرمت دماؤهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
فَإِخْوَانُكُمْ: الإخوان جمع أخ، والأخوة في الأصل الاشتراك في الولادة من الأبوين أو أحدهما، واستعيرت هنا لأعظم رابطة عقدية وهي أخوة الدين والمصير المشترك؛ لأنها أثبت وأوثق من أخوة النسب المادي.
نُفَصِّلُ: التفصيل التبيين والإيضاح والتمييز بين الحق والباطل، وجعل الشيء فصولاً وأقساماً متميزة يسهل فهمها وتطبيقها.
الإعراب التفصيلي:
فَإِن: الفاء استئنافية عاطفة، إن حرف شرط جازم.
تَابُوا: فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ: معطوفان على فعل الشرط.
فَإِخْوَانُكُمْ: الفاء رابطة لجواب الشرط، إخوانكم خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهم إخوانكم)، مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع. والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
فِي الدِّينِ: جار ومجرور نعت لـ إخوانكم أو متعلق به.
وَنُفَصِّلُ: الواو استئنافية، نفصل فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن يعود على الله تعالى للتعظيم.
الْآيَاتِ: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
لِقَوْمٍ: جار ومجرور متعلق بـ نفصل.
يَعْلَمُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جر نعت لـ قوم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إشراق الرحمة بعد قواطع العذاب: بعد أن صب القرآن نيران التهديد والفضح على غدر المشركين واعتدائهم في الآيات السابقة، جاءت هذه الآية لتفتح أحضان الأمة لكل من تاب؛ فترق القلوب وتدرك أن الشدة النبوية لم تكن انتقاماً للنفس، بل كانت انتصاراً للمبدأ؛ فالمشرك الذي كان يقاتلنا بالأمس يصير اليوم أخاً لنا في الدين تجب نصرته وتفدى مهجته.
الارتباط بين العلم وتفصيل الآيات: ختمت الآية بـ {وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} للدلالة على أن إدراك حكمة هذه التشريعات والجمع بين الشدة على الكفر والرحمة بالتائب يحتاج إلى عقول عالمة واعية تزن الأمور بموازين الشرع لا بالعواطف الهوجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدم قبول توبة المحاربين السابقين:
يزعم بعض الطاعنين أن قوانين الحروب تقتضي معاقبة مجرمي الحرب ولا تسقط الدماء بمجرد التوبة وإعلان الإيمان.
الرد والتحقيق الإسلامي المعجز:
الإسلام يعتبر الشرك أعظم الجرائم على الإطلاق، ومع ذلك فإن "الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله" (صحيح مسلم، رقم: 121)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٢١ بنص قاطع؛ لأن الهدف هو إنقاذ الأرواح وبناء الإنسان الجديد.
تحويل العدو اللدود المحارب إلى "أخ في الدين" بمجرد إسلامه وإقامته للشعائر أعظم عبقرية تربوية واجتماعية عرفتها البشرية؛ حيث أذاب الأحقاد القبلية وصنع من قادة المشركين كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل قادة للأمة الإسلامية يضحون بدمائهم في سبيل الله.
لو كان القتل غاية في ذاته لما فُتح باب الأخوة؛ وهذا يثبت كذب فرية التعطش للدماء في الإسلام.
التشبيه البليغ والاستعارة في {فَإِخْوَانُكُمْ}: حذف المشبه (هم) لإفادة البديهية والسرعة؛ واستعمال لفظ الأخوة دون الصداقة أو التحالف؛ لأن الأخوة توجب الميراث والمحبة والنصرة والستر وسلامة الصدر، وهي أعلى درجات الروابط الإنسانية.
التقييد بـ {فِي الدِّينِ}: لبيان أن هذه الأخوة ليست قائمة على نسب قبلي ولا لغة ولا وطن، بل هي أخوة عليا قائمة على التوحيد، وهي الرابطة الوحيدة التي تجمع بين العربي والأعجمي، والأبيض والأسود على قدم المساواة.
تخصيص الآيات لـ {قَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: إشعار بأن المنتفع بحقائق التنزيل وأسرار التشريع هم أصحاب العلم والمعرفة الذين يتدبرون مقاصد الشريعة في حفظ الدماء والنفوس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طهارة القلوب من الأحقاد: الواجب على المسلم إذا أسلم عدوه واستقام دينه أن يطهر قلبه من كل ضغينة سابقة، وأن يفتح له ذراعيه محبة ونصرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار مكة بعد الفتح.
مكانة الزكاة في حماية المجتمع: اقتران الزكاة بالصلاة في هذا الموضع دليل على أن التضامن المالي وإطعام الفقراء والمساكين جزء لا يتجزأ من هوية المجتمع المسلم وعصمته.