أسباب النزول ومرويات الباب في قصة ذي الخويصرة التميمي أصل الخوارج: أخرج البخاري في صحيحه (رقم: 3610)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦١٠ ومسلم (رقم: 1064)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٦٤ وأبو داود (رقم: 4764)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٦٤ والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ قِسْمًا (ذَهَبًا بَعَثَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ اليَمَنِ)، إِذْ جَاءَهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، غَائِرُ العَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمِّرُ الإِزَارِ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟! قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ»، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ! فَقَالَ: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ... آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ...». فأنزل الله عز وجل: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 323)جامع البيانالطبري١٤/٣٢٣: ومن هؤلاء المنافقين من يعيبك يا محمد ويطعن فيك في قسمة الصدقات والغنائم، ويزعم أنك تحابي ولا تعدل؛ وليس طعنهم غيرة على الدين ولا طلباً للعدل، بل بدافع الطمع والجشع المادي المحض؛ فإن أعطيتهم منها ما يشتهون رضوا وسكتوا وحمدوا، وإن لم تعطهم منها لسقوط حقهم شرعاً سخطوا وغضبوا وطعنوا في عدلك.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 171)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٧١: هذا تشريح لنفوس هؤلاء الجهلة الفاسقين؛ فرضاهم وسخطهم ليس لله ولا للحق، بل لحظوظ أنفسهم وشهوات بطونهم؛ فالمنافق يغضب للدنيا، ويسخط إن حُرم منها، ويرضى إن أُعطي منها ولو كان باطلاً.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 223)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢٢٣: اللمز هو العيب والطعن في خفاء وبالإشارة أو بالكلام الخفي؛ والهمز يكون في الوجه؛ والآية تدل على أن قاسم الصدقات يجب أن يكون أميناً عدلاً يقسمها على مصارفها الشرعية ولا يبالي بسخط الساخطين ولا برضا الطامعين.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 342)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤٢: ما أشنع هذه الصفة وأخسها؛ أن يكون ميزان الرضا والسخط عند الإنسان مرتبطاً بالدرهم والدينار؛ فإن أُعطي رضي، وإن مُنع سخط؛ فهذا عبد للمال لا عبد لله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
يَلْمِزُكَ: اللمز هو العيب والطعن باللسان في سر وخفاء، أو بالإشارة بالعين والحاجب واليد؛ وأصله في اللغة الدفع والطعن بشيء حاد خفي، ومنه قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}.
الصَّدَقَاتِ: جمع صدقة، وهي المال المخرج لله تعالى تقرباً وتصديقاً بالثواب؛ وتشمل هنا الزكاة المفروضة والغنائم والأموال العامة التي يتولى النبي صلى الله عليه وسلم قسمتها.
يَسْخَطُونَ: السخط شدة الغضب والكره وعدم الرضا؛ وضده الرضا.
الإعراب التفصيلي:
وَمِنْهُم: الواو استئنافية، من حرف جر وهم ضمير مجرور خبر مقدم.
مَّن: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
يَلْمِزُكَ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف ضمير متصل مفعول به؛ والجملة صلة الموصول لا محل لها.
فِي الصَّدَقَاتِ: جار ومجرور متعلق بـ يلمزك (في للسببية أو الظرفية أي في شأن قسمتها).
فَإِنْ: الفاء استئنافية عاطفة، إن حرف شرط جازم.
أُعْطُوا: فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول.
مِنْهَا: جار ومجرور متعلق بـ أعطوا.
رَضُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا: الواو عاطفة، إن شرطية، لم جازمة، يعطوا مضارع مبني لما لم يسم فاعله مجزوم بـ لم بحذف النون، والواو نائب فاعل.
مِنْهَا: جار ومجرور متعلق بـ يعطوا.
إِذَا: إذا الفجائية رابطة لجواب الشرط قائمة مقام الفاء.
هُمْ: ضمير منفصل مبتدأ.
يَسْخَطُونَ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم)؛ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط الثاني لوجود إذا الفجائية.
توجيه القراءات:
قرأ الجمهور: {يَلْمِزُكَ} بكسر الميم، وقرأ يعقوب الحضرمي في المتواتر وابن محيصن في الشواذ {يَلْمُزُكَ} بضم الميم؛ وهما لغتان فصيحتان: لَمَزَ يَلْمِزُ ويَلْمُزُ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح النفاق المالي والأخلاقي الرخيص: بعد أن كشف القرآن خيانتهم العسكرية والسياسية في تبوك، كشف هنا عن جشعهم المالي الدنيء؛ فبيّن أن المنافق لا يثبت على مبدأ ولا يعرف عدلاً؛ فالمعيار الوحيد عنده هو: "كم يأخذ من المال؟"؛ فإن نال نصيباً امتدح الحاكم وأثنى على عدله، وإن حُرم منه شرعاً طعن في نزاهته وعدالته واتهمه بالمحاباة والظلم!
هذه المقابلة تختصر كل سيكولوجية النفعيين والانتهازيين في كل العصور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الطعن في عدالة النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال:
زعم ذو الخويصرة والمنافقون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعدل في قسمة الذهب والصدقات، وربما روج بعض المغرضين لتلك الدعوى.
الرد والمحاكمة الشرعية الإعجازية:
رد النبي صلى الله عليه وسلم الصاعق المفحم: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟! قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ، أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ؟!». فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم بالوحي ومؤيد من الله، وقسمته وحي وتشريع وليست هوى.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بحكمة النبوة؛ فيعطي المؤلفة قلوبهم لترسيخ الإسلام وتأليف القبائل وحقن الدماء، ويعطي الفقراء لحاجتهم، ويكل أهل الإيمان الراسخ (كأبي بكر وعمر والأنصار) إلى إيمانهم العظيم؛ فكانت قسمته عين العدل والمصلحة العليا للأمة.
أثبتت الآية أن الطاعنين فيه لم ينطلقوا من مبدأ العدل المزعوم، بل من الأنانية البحتة؛ فلو أُعطوا لسكتوا ورضوا! فبطلت حجتهم وثبت نفاقهم.
التعبير بـ {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} بـ إذا الفجائية: للدلالة على المفاجأة والسرعة الفائقة في تحول مشاعرهم؛ فبمجرد أن يعلموا أنه لا نصيب لهم ينقلبون فجأة من المداراة إلى أقصى درجات الغضب والسخط والطعن.
التنكير في {مَّن يَلْمِزُكَ}: للبيان والتصنيف؛ أي فئة من المنافقين تختص بهذه الخسة الأخلاقية.
التقييد بـ {مِنْهَا} في الموضعين: لإبراز أن عين تعلق قلوبهم ليس بذات الصدقة كعبادة، بل بـ "الأخذ المادي المجرد منها"؛ فالمال هو معبودهم الحقيقي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير من عبودية الدينار والدرهم: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ... إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ» (صحيح البخاري، رقم: 2887)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٢٨٨٧؛ وهذا هو الوصف المطابق للآية تماماً.
ثبات القائد على الحق: على المسؤول والداعية أن يقسم الحقوق بالعدل الشرعي ولا يخضع لابتزاز الطامعين ولا يبالي بسخط من يسخط لمنعه من غير حقه؛ فالعدل فوق إرضاء أهواء الناس.