أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم أن هذه الآية الكريمة نزلت تفصيلاً للفوز العظيم الموعود به في الآية السابقة؛ فبينت جزاء المهاجرين والمجاهدين وثمرات بذلهم وتضحياتهم. روى البخاري (رقم: 6549)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٤٩ ومسلم (رقم: 72)مصدر غير محددحديث رقم ٧٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 186)جامع البيانالطبري١٤/١٨٦: يخبرهم الله جل ثناؤه بما يسرهم ويفرح قلوبهم، بأن لهم من ربهم رحمة واسعة تنجيهم من عذابه، ورضواناً لا سخط بعده أبداً، وبساتين وجنات في دار كرامته فيها نعيم مقيم دائم لا يزول ولا ينقطع.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 126)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٦: قرن تعالى بين الرحمة والرضوان والجنات؛ فالرحمة وقاية من كل مكروه، والرضوان غاية كل مطلوب وأعلى النعيم، والجنات مقر ذلك النعيم الأبدي المقيم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 115)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١١٥: في الآية دليل على أن أعلى مراتب أهل الجنة هو نيل الرضوان الإلهي، كما في الحديث الصحيح: «أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (صحيح البخاري، رقم: 7518)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٧٥١٨.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 333)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٣: بشرهم الرب الكريم الحليم بأربعة أصناف من النعيم التام: الرحمة، والرضوان، والجنات، والنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
يُبَشِّرُهُمْ: التبشير الإخبار بالخبر السار الذي تظهر آثاره وفرحته على بَشرة الوجه.
رِضْوَانٍ: الرضوان مصدر رضي وهو أبلغ من الرضا؛ وبناؤه على فعلان يدل على الامتلاء والسعة والكمال.
نَعِيمٌ مُّقِيمٌ: النعيم طيب العيش ولذته، والمقيم الثابت الدائم الذي لا ينقطع ولا ينغص.
الإعراب التفصيلي:
يُبَشِّرُهُمْ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
بِرَحْمَةٍ: الباء حرف جر، رحمة اسم مجرور بالكسرة الظاهرة متعلق بـ يبشرهم.
مِّنْهُ: جار ومجرور نعت لـ رحمة.
وَرِضْوَانٍ: معطوف على رحمة مجرور بالكسرة.
وَجَنَّاتٍ: معطوف مجرور بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
لَّهُمْ: جار ومجرور خبر مقدم.
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بالخبر أو بالنعيم.
نَعِيمٌ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
مُّقِيمٌ: نعت لـ نعيم مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية (لهم فيها نعيم مقيم) في محل جر نعت لـ جنات.
توجيه القراءات:
قرأ الأعمش وحمزة في رواية بتخفيف الشين {يَبْشُرُهُمْ} من بشَر يبشُر، وقرأ الجمهور بالتشديد {يُبَشِّرُهُمْ} من بشّر يَبشّير للتكثير والمبالغة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج الإحساني في العطاء الإلهي:
بدأ بالبشارة {يُبَشِّرُهُمْ} لإدخال الفرح اللحظي.
ثنّى بالرحمة {بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ} لدفع كل مخاوفهم وغفران ذنوبهم.
ثلّث بالرضوان {وَرِضْوَانٍ} وهو النعيم الروحي الأكبر الذي لا يدانيه نعيم.
ربّع بالجنات {وَجَنَّاتٍ} وهي المأوى والمقر الحسي.
ختم بوصف النعيم بأنه {مُّقِيمٌ} لنفي هاجس الفناء والانقطاع؛ وهذا الترتيب النظمي في غاية الإحكام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفناء في نعيم الجنة:
يزعم بعض الفلاسفة والملاحدة أن الخلود مستحيل أو ممل، وأن النعيم لا بد أن يفنى.
الرد والمحاكمة العقلية: وصف النعيم بـ {مُّقِيمٌ} يقطع وهم الانقطاع، والنعيم في الجنة متجدد دائماً لا يعتريه ملل ولا كدورة؛ لأن النفوس خُلقت فيها بطبيعة كاملة لا تسأم النعيم والجمال الإلهي، والرضوان الإلهي يعصمهم من أي حزن أو خوف.
إضافة الرب إلى ضميرهم {رَبُّهُم}: إضافة تشريف وتكريم ورعاية خاصة تفيض بالعطف والرحمة والمحبة.
التنكير في {بِرَحْمَةٍ} و{وَرِضْوَانٍ} و{وَجَنَّاتٍ}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي رحمة لا يحيط بمدى سعتها عقل، ورضوان عظيم لا يدرك كنهه بشر.
التقييد بـ {مِّنْهُ}: لبيان أن هذه الرحمة صادرة من لدن الغني الكريم مباشرة، وما كان من الله مباشرة فهو أعظم ما يُرجى ويُطلب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عزاء المجاهدين والمضحين: كل ما يبذله المسلم في هذه الدنيا من تعب ودم ومال ونصب في سبيل الله يضمحل ويتلاشى أمام بشارة واحدة من ربه بالرحمة والرضوان والجنات.
الرضوان غاية السالكين: على المؤمن أن يجعل رضوان الله غايته الكبرى؛ فرضا الله هو النعيم الأكبر الذي تتصاغر دونه كل مآرب الدنيا ونعيمها الحسي.