أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب الصلاة على المنافقين والاستغفار لهم، رقم 1366)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٦٦، ومسلم في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عمر، رقم 2400)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٠٠ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "لما توفي عبد الله بن أبيّ بن سلول، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله ﷺ: إنما خيرني الله فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}، وسأزيده على سبعين! قال: إنه منافق! فصلى عليه رسول الله ﷺ، فأنزل الله تبارك وتعالى الآية الحاسمة: {وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ}".
تفسير السلف ومفهوم العدد (سبعين مرة):
أجمع أهل اللسان والمحققون (ابن عباس، قتادة، الطبري، ابن عطية، ابن كثير) على أن العرب تطلق لفظ "السبعين" في لغتها ومحاوراتها لإرادة التكثير والمبالغة، لا لتحديد العدد الحسابي المجرد؛ كقولهم: "لأضربنك مئة ضربة" أو "أخبرتك سبعين مرة" إذا أرادوا كثرة ذلك، ونظيره قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا... لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا}.
وقد حمله النبي ﷺ أول الأمر بمقتضى رحمته وحرصه الشديد على نجاة الخلق واستنقاذهم على مفهوم العدد، متلمساً شفاعة إن زاد على السبعين، حتى نزل البيان الإلهي القاطع في الآية (84) بعدم جواز الاستغفار أو الصلاة على أي منافق قط مات على كفره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
صيغة الأمر المقتضية للتسوية (اسْتَغْفِرْ... أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ):
جاء الأمر والنهي المقترنان بـ "أو" بمعنى الخبر والتسوية؛ أي: استغفارك لهم وعدمه سيان عند الله؛ كقوله تعالى: {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}.
الإعراب المفصل:
"اسْتَغْفِرْ": فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت، وصيغته للتسوية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيآس المنافقين من شفاعة النبي ﷺ: كان المنافقون يمنون أنفسهم بأن قربهم الظاهري من النبي ﷺ ومصاهرتهم للصحابة ستمكنهم من نيل شفاعته واستغفاره، فقطع الله هذا الرجاء الباطل بحكم مبرم؛ مبيناً أن الشفاعة والاستغفار لا ينفعان من مات على الشرك والكفر الأكبر بحال من الأحوال.
التعليل المحكم للعدالة في {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا}: بيان أن المنع ليس تحكماً ولا بخلاً بالرحمة، بل هو مقتضى العدل والحكمة الإلهية؛ لأنهم اختاروا الكفر بمحض إرادتهم وماتوا عليه، ومن مات كافراً فقد انقطع عنه سبب المغفرة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استغفار النبي ﷺ لمن أُخبر بأنه لن يُغفر له: كيف يستغفر النبي ﷺ لمن قال الله فيه: {فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}؟
الدفع والمحاكمة العقلية والحديثية العميقة:
النبي ﷺ في بداية الأمر فهم النص فهماً لغوياً احتمالياً؛ لأن الآية صُدّرت بالتخيير: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}، وعُلّق نفي المغفرة على شرط السبعين، وكان دافعه ﷺ هو غاية الشفقة والحرص على تأليف قومه وأهل المدينة وإكرام ابنه المؤمن الصادق عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فرجا أن تنالهم رحمة إن زاد على السبعين؛ فلما صلى عليه أنزل الله النهي الجازم الحاسم الذي لا يحتمل أي تأويل: {وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ}، فامتنع النبي ﷺ عن الصلاة على المنافقين والاستغفار لهم نهائياً من حينها، وظهرت موافقة رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه للوحي الصريح.
أسلوب التكثير بالعدد "سبعين": اختيار السبعين للدلالة على المبالغة القصوى في الاستغفار؛ فالرقم سبعة ومضاعفاته عند العرب رمز للكمال في العدد، والتعبير به يفيد أنه لو تكرر الاستغفار ملايين المرات فلن يغير من حقيقة كفرهم ومصيرهم شيئاً.
التوكيد بحرف النفي المؤبد "لَنْ": {فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} نفي قطعي أبدي للمغفرة؛ لانسداد محلها وهو القلب الكافر الجاحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم نفع الأنساب والشفعاء لمن مات كافراً: رسالة حاسمة لكل إنسان بأن قربه من الصالحين والعلماء والأنبياء لا يغني عنه من الله شيئاً إذا لم يكن عنده إيمان صحيح وعمل صالح.
المفاصلة العقدية في الموت والجنائز: تحريم الاستغفار أو الترحم على من مات على الكفر أو النفاق الأكبر البواح، وإخلاص الولاء لله ورسوله والمؤمنين.