قال ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي: "{وَقُلِ اعْمَلُوا} أي: قل يا محمد لهؤلاء التائبين وللناس كافة: استأنفوا العمل الصالح، واجتهدوا في طاعة الله، وأصلحوا ما بقي من أعماركم؛ فإن أعمالكم لن تخفى ولن تضيع؛ {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} في الدنيا فيظهر صدق الصادق من كذب المنافق على صفحات الأحوال وميادين البذل؛ ثم بعد الموت والبعث تُردون إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تغيب عنه ذرة، فيجزيكم بأعمالكم أتم الجزاء".
أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا".
وثبت في المسند أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ملساء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "السين" في {فَسَيَرَى} و{وَسَتُرَدُّونَ}:
السين تفيد التحقيق والتأكيد والوقوع الحتمي القريب؛ فكل ما هو آتٍ قريب؛ وعرض العمل على الله ورسوله والمؤمنين واقع لا ريب فيه في الدنيا بشهادة الخلق وتوفيقه، وفي الآخرة بالعرض الأكبر.
الإعراب المفصل:
"وَقُلِ": الواو استئنافية، فعل أمر مبني على السكون وحُرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
"اعْمَلُوا": فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول.
"فَسَيَرَى": الفاء سببية تعليلية، السين للتأكيد، "يرى" فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
"عَمَلَكُمْ": مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من مرحلة التوبة والندم إلى مرحلة الإنتاج والإعمار: هذا التوجيه الإلهي قمة في البناء النفسي؛ فالتوبة في الإسلام ليست بكاءً سلبياً وانقطاعاً عن الحياة ولا استسلاماً لعقدة الذنب، بل التوبة الحقيقية هي منصة انطلاق للعمل الإيجابي، والجهاد، والإصلاح، والبناء الحضاري للأمة.
تدرج الرقابة (الله ثم الرسول ثم المؤمنون): ترسيخ لرقابة الضمير المؤمن؛ فالله يرى السرائر والظواهر، ورسوله يزن الأعمال بميزان الشرع والسنة، والمؤمنون هم شهداء الله في أرضه؛ فمن طاب عمله أثنى عليه الصالحون، ومن خبث عمله مقتته قلوب المؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة رؤية الرسول ﷺ للعمل بعد وفاته ودعوى اطلاعه على الغيب المستقل: كيف يقول: {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، ورسول الله ﷺ قد مات والعمل مستمر إلى قيام الساعة؟
الدفع والمحاكمة المنهجية:
الرؤية المذكورة لها وجهان متكاملان:
الرؤية الواقعية أثناء حياة النبي ﷺ وفي زمن التنزيل؛ فكان المنافق إذا تظاهر بالتوبة راقب النبي والمؤمنون سلوكه العملي ليروا هل صدق أم عاد إلى نفاقه.
الرؤية بعرض الأعمال على رسول الله ﷺ في البرزخ؛ كما دلت عليه الأحاديث المسندة في عرض أعمال الأمة على النبي ﷺ فيستغفر لمسيئهم ويحمد الله لمحسنهم، وهذا إطلاع خاص أطلعه الله عليه بوحيه لا من عند نفسه استقلالاً.
ورؤية المؤمنين هي الرؤية الواقعية والشهادة المستمرة لأهل الصلاح والخير في كل عصر ومصر؛ كما في الحديث الصحيح: "أنتم شهداء الله في الأرض".
إطلاق الأمر في {اعْمَلُوا}: إطلاق الفعل دون تقييد بمفعول محدد ليشمل كل أنواع العمل الصالح؛ من صلاة وجهاد وإنفاق وبناء وإتقان للصنعة وعمارة للأرض بالعدل.
التوكيد بالسين المشتركة: تكرار حرف الاستقبال {فَسَيَرَى... وَسَتُرَدُّونَ} يربط الحاضر بالمستقبل الدنيوي والمصير الأخروي في خيط ناظم واحد؛ لتظل عينا المسلم شاخصتين إلى يوم الوقوف بين يدي الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إتقان العمل ومراعاة نظر الله والمؤمنين: الآية شعار العمل والإتقان في الإسلام؛ فالمسلم يعمل بجد وتفانٍ وإخلاص، مستحضراً رقابة ربه وثقة مجتمعه المؤمن، مبتعداً عن الغش والرياء والدعاية الزائفة.
الدافعية للأمل والبناء: تحفيز العصاة والتائبين أن ينخرطوا فوراً في ميادين البناء والعطاء؛ فما فات قد مات، وباب العمل والمجد مفتوح لكل من صدق مع الله وأقبل عليه.