أسباب النزول ومرويات الباب: روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أرأيت إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء هذا الأجل (الأشهر الأربعة) ليسمع كلام الله أو يطلب حاجة، أيقتل؟ فقال علي: لا، إن الله عز وجل يقول: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}. وأخرج ابن إسحاق ومجاهد أن الآية نزلت فيمن يطلب الأمان من المشركين للنظر في أمر الإسلام والاطلاع على براهينه.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 136)جامع البيانالطبري١٤/١٣٦: إن استأمنك يا محمد رجل من المشركين الذين أمرتك بقتالهم ومطاردتهم بعد انقضاء الأشهر الحرم، ليسمع ما تدعو إليه من توحيد الله ويستمع إلى القرآن المنزل عليك؛ فأعطه الأمان الذي يمنعه من القتل والأسر، حتى يتلو عليه كلام الله وتتبين له الحجة، فإن أبى بعد ذلك الإسلام فلا تغدر به، بل أرجعه إلى مأمنه وديار قومه التي يأمن فيها على نفسه، ثم إن لقيته بعد ذلك في الحرب فقاتله.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 111)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١١: هذه الآية الكريمة تفتح باب الهداية وتمنح الأمان لمن رغب في معرفة الحق وإزالة اللبس؛ فالمشرك إذا طلب الدخول إلى بلاد المسلمين لسماع القرآن ومعرفة حقيقة الدين أُجيب وأُعطي الأمان الكامل، فإن أسلم فبها، وإن لم يسلم أُعيد إلى مأمنه آمناً دون أن يتعرض له أحد بسوء.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 81)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٨١: هذه الآية محكمة باقية إلى يوم القيامة، ولم ينسخها شيء؛ وفيها أعظم تشريع لحق اللجوء الفكري والأمان الدعوي في التاريخ، واستدل بها الفقهاء على وجوب تأمين الرسل والسفراء والمستأمنين من الكفار.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 329)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٩: الغاية من قتال المشركين هدايتهم وتثبيت التوحيد، فإذا طلب المشرك الأمان ليتدبر القرآن وجب إجارته بلا تردد؛ لأن جهلهم بالحق هو سبب شركهم {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
اسْتَجَارَكَ: استفعل من الجوار، والجوار هو الحماية والأمان وعقد النصرة، والمستجير هو الذي يطلب منك أن تكون له جاراً تحميه مما يخاف؛ وأصله في كلام العرب أن الجار يحمي جاره ويدافع عن حماه.
فَأَجِرْهُ: أَجَارَهُ يُجِيرُهُ إِجَارَةً، إذا أمّنه وحماه ومنع عنه من يريده بسوء، وأدخله في حماه وذمته.
مَأْمَنَهُ: المأمن اسم مكان من الأمن، وهو الموضع والبلد الذي يشعر فيه الإنسان بالأمن التام على دمه وماله وعرضه ولا يخاف فيه غائلة عدو.
الإعراب التفصيلي:
وَإِنْ: الواو استئنافية أو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
أَحَدٌ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة لفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره (استجارك أحدٌ)، على مذهب البصريين لأن (إن) الشرطية تختص بالدخول على الأفعال.
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ: جار ومجرور نعت لـ أحد.
اسْتَجَارَكَ: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم مفسر للفعل المحذوف، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
فَأَجِرْهُ: الفاء رابطة لجواب الشرط، أجر فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
حَتَّىٰ يَسْمَعَ: حتى حرف غاية وجر، يسمع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والفاعل مستتر تقديره هو. والمصدر المؤول في محل جر بـ حتى متعلق بـ أجره.
كَلَامَ اللَّهِ: كلام مفعول به منصوب، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
ثُمَّ: حرف عطف يفيد التراخي.
أَبْلِغْهُ: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به أول.
مَأْمَنَهُ: مفعول به ثانٍ منصوب (أو منصوب بنزع الخافض أي إلى مأمنه)، والهاء مضاف إليه.
ذَٰلِكَ: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
بِأَنَّهُمْ: الباء حرف جر للتعليل، أن حرف مشبه بالفعل، وهم اسمها.
قَوْمٌ: خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة.
لَّا يَعْلَمُونَ: لا نافية، يعلمون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لـ قوم. والمصدر المؤول (بأنهم قوم) في محل جر بالباء متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (ذلك).
توجيه القراءات:
أجمعت القراءات العشر المتواترة على رفع أَحَدٌ بالفاعل، وتسكين راء فَأَجِرْهُ وأَبْلِغْهُ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط التكاملي مع آية السيف: جاءت هذه الآية مباشرة بعد الأمر بقتال المشركين وحصارهم في الآية (5)؛ لتضع الاستثناء الإنساني والدعوي الأعظم؛ فبيّنت أن ذلك القتال الصارم ليس قتال إبادة عرقية، بل هو لدفع العدوان والشرك، فمتى طلب المشرك الحوار والمعرفة سقط السيف فوراً ووجب الأمان والحماية؛ وهذا منتهى التوازن القرآني.
التدرج من السماع إلى الأمان المطلق: قوله {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} قمة في النبل الأخلاقي؛ فلم يشترط القرآن أن يسلم ليحقن دمه، بل شرط سماع كلام الله فقط، فإن لم يقتنع لم يجز قتله في دار الإسلام ولا الغدر به، بل وجب ترحيله بحراسة وتأمين إلى ديار قومه الآمنة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض فرية "الإسلام انتشر بالسيف وأكره الناس على الإيمان":
هذه الآية تدحض بمفردها أكذوبة "إكراه المشركين على الإسلام بالسيف" من جذورها؛ وتؤسس لمبدأ حرية التفكير والاطلاع المعرفي بأعلى درجات الضمان الأمني.
المحاكمة العقلية والقانونية:
لو كان الإسلام يريد إجبار الناس على الدخول فيه بحد السيف، لكان مجيء المشرك مستجيراً فرصة سانحة لقتله أو إكراهه تحت التهديد بالموت؛ لكن القرآن فرض على النبي صلى الله عليه وسلم والأمة حكماً إيجابياً واجباً: {فَأَجِرْهُ} بصيغة الأمر الوجوبي الجازم.
القرآن لم يكتفِ بإعطائه الأمان لسماع القرآن، بل أوجب في حالة عدم إسلامه إيصاله إلى {مَأْمَنَهُ}، أي البلد الذي يأمن فيه على نفسه وأهله؛ فلا يترك في طريق مخوف قد يتعرض فيه لغارة أو انتقام.
أين يوجد في القوانين العسكرية القديمة أو المعاصرة قانون يوجب على الدولة المتحاربة أن تحمي مواطن الدولة المعادية، وتسمعه مبادئها، ثم توصله بسلام إلى داخل حدود دولته إن لم يقبل مبادئها؟! هذا إعجاز تشريعي وأخلاقي لا نظير له في تاريخ البشرية.
التنكير المفيد للعموم في {أَحَدٌ}: وقوع النكرة في سياق الشرط يفيد العموم الاستغراقي التام؛ أي كائناً من كان هذا المشرك، قائداً أو جندياً أو رجلاً عادياً، متى ما طلب الجوار وجبت إجارته.
التعبير بـ {كَلَامَ اللَّهِ} دون غيره: لم يقل حتى يسمع حجتك أو كلامك، بل قال {كَلَامَ اللَّهِ}؛ لبيان أن القرآن بذاته كافٍ لإقامة الحجة وإحياء الفطرة متى ما سُمع بتجرد وتدبر، ولتجريد الداعية من الانتصار لنفسه وربط المستجير بكلام الخالق مباشرة.
التعليل بالجهل {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}: التماس العذر الإنساني لهم بالجهل؛ إشعاراً بأن الشرك مرض معرفي نشأ عن التضليل وغياب العلم، وعلاج الجهل ليس السيف بل التعليم والبيان والسماع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
واجب الداعية في فتح أبواب الحوار: على المسلمين أن يتيحوا لكل باحث عن الحقيقة فرصة الاطلاع على محاسن الإسلام والقرآن في بيئة آمنة تخلو من التهديد والإرهاب الفكري.
أمانة الأمان والعهد: الأمان الذي يعطيه المسلم ولو كان أدنى الناس في المجتمع ملزم للأمة كلها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (صحيح البخاري، رقم: 1870)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ١٨٧٠.