أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن عباس: "{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: شك ونفاق وشبهة، {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} أي: ضلالاً إلى ضلالهم، وشكاً إلى شكهم، ونفاقاً متراكماً إلى نفاقهم القديم؛ لأنهم كلما نزلت سورة كفروا بها وجحدوها واستهزؤوا بها، فازدادوا كفراً وتراكبت الظلمات على قلوبهم حتى ماتوا وهم كافرون".
قال الإمام ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/195): "وهذه نكارة كبرى وشقاء عظيم؛ أن يكون ما يُنزل لهداية القلوب وشفاء الصدور سبباً في شقاء هؤلاء وزيادة ضلالهم وخسرانهم، كقوله تعالى في سورة الإسراء: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الرِّجْس" هنا:
الرجس: الشك، والكفر، والنجاسة المعنوية، والضلال؛ وإضافته إلى الرجس السابق {إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} يفيد تراكم الكفر طبقة فوق طبقة حتى يطبع على القلب بالكامل.
الإعراب المفصل:
"وَأَمَّا": الواو عاطفة للمقابلة، "أمّا" حرف شرط وتفصيل وتوكيد.
"الَّذِينَ": اسم موصول مبتدأ في محل رفع.
"فِي قُلُوبِهِمْ": جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
"مَّرَضٌ": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"إِلَىٰ رِجْسِهِمْ": جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ "رجساً" أو بـ "زادتهم"، والهاء مضاف إليه.
"وَمَاتُوا": عاطف وماض مبني على الضم والواو فاعل.
"وَهُمْ": الواو حالية، "هم" مبتدأ.
"كَافِرُونَ": خبر المبتدأ مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في "ماتوا".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إتمام المقابلة القرآنية العادلة: قابل في الآية السابقة حال المؤمنين: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}، وقابلها هنا بحال المنافقين: {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}؛ لتكتمل صورة التأثير المزدوج لكلام الله بحسب قابلية المحل وطهارة القلب.
الخاتمة المشؤومة في {وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}: إخبار حتمي بسوء خاتمتهم؛ فمن عاش على الشك والاستهزاء بآيات الله خُتم له بالكفر ومات عليه ليلقى العذاب المقيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كون القرآن سبباً في كفرهم وإضلالهم: كيف يكون القرآن سبباً في زيادة الرجس والضلال، وهو كتاب هداية ونور؟
الدفع والمحاكمة العقلية والطبية البديعة:
القرآن في ذاته هداية ونور ورحمة وشفاء، لكن الأثر يختلف باختلاف المحل القابل؛ تماماً كالدواء الناجع والغذاء اللذيذ؛ إذا تناوله الجسد الصحيح قواه ونماه، وإذا تناوله الجسد المريض بالحمى زاد في علته وأفسد معدته لخبث المحل ومرضه، لا لعيب في الغذاء والدواء.
فالمنافقون لما امتلأت قلوبهم بمرض الحسد والكبر، صار كل حكم جديد ينزل يثير حسدهم وتكذيبهم، فكان كفرهم المتجدد بالآيات ثمرة لاختيارهم الفاسد وتمردهم المستمر؛ فالعلة في قلوبهم المريضة لا في القرآن العظيم.
استعارة "المرض" للشك والنفاق: تشبيه الشك بالمرض الذي يفسد وظائف الإدراك ويحرم صاحبه من تذوق حلاوة الحق، ويزداد استفحالاً إن لم يُبادر بعلاجه.
التنكير في "رِجْسًا" والإضافة في "إِلَىٰ رِجْسِهِمْ": للدلالة على تنوع وتراكم ألوان الخبث العقدي والنفسي في قلوبهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من سوء الخاتمة وتراكم الشبهات: تحذير مرعب للعبد من فتح قلبه للشبهات والوساوس والاعتراض على نصوص الشريعة؛ فإن الاستهانة بالشك الصغير تورث ركاما من الرجس يختم على القلب حتى يموت صاحبه على الكفر عياذاً بالله.
الاستشفاء بالقرآن وتطهير الباطن: ضرورة تطهير القلب من أمراض الكبر، والحسد، والنفاق قبل الإقبال على كتاب الله، ليتنزل القرآن على قلب طاهر فيثمر هداية ونوراً وبصيرة.