أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مجاهد والزهري والسدي أن هذه الآية الكريمة نزلت أول أمر بقتال أهل الكتاب بعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال مشركي العرب واستقر فتح مكة وحنين؛ وذلك حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعداد لغزوة تبوك لقتال الروم النصارى وقبائل العرب المتنصرة في شمال الجزيرة (لخم وجذام وغسان) الذين حشدوا لغزو المدينة المنورة وقتلوا مبعوث رسول الله الحارث بن عمير الأزدي في مؤتة. روى مسلم في صحيحه (رقم: 1731)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٣١ وأبو داود (رقم: 2612)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦١٢ والترمذي (رقم: 1617)مصدر غير محددحديث رقم ١٦١٧ من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله... وقال: «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ... فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ».
أقوال أئمة السلف والتفسير في أحكام الجزية ومعنى الصغار:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 214)جامع البيانالطبري١٤/٢١٤: هذه أول آية نزلت بفرض الجزية على أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فأمر الله المؤمنين بقتال من أبى الإسلام منهم حتى يخضعوا لحكم الإسلام ويعطوا الجزية المفروضة عن طاقة وقدرة ومسالمة، خاضعين لأحكام الدولة الإسلامية وسلطانها العادل.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 134)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٤: لما كان أهل الكتاب قد حرّفوا كتبهم وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يحرموا ما حرم الله ورسوله؛ أوجب الله قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. واستدل الأئمة بهذه الآية على أخذ الجزية من أهل الكتاب قاطبة (يهوداً ونصارى)، وأُلحق بهم المجوس بالسنة الصحيحة في أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر (صحيح البخاري، رقم: 3157)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٣١٥٧، وذهب الإمام مالك والأوزاعي إلى جواز أخذها من سائر أصناف الكفار عدا قريش، وتوقف الإمام الشافعي وأحمد على أهل الكتاب والمجوس.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 137)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٣٧: الجزية مشتقة من المجازاة؛ كأنها جزاء لحقن دمائهم، أو جزاء لحمايتهم في دار الإسلام وإعفائهم من الخدمة العسكرية في جيوش المسلمين. وقوله {عَن يَدٍ} فيه أقوال: عن إنعام وفضل منكم عليهم بقبولها، أو عن قدرة وغنى منهم، أو يداً بيد نقداً مقبوضاً. وقوله {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي خاضعون لأحكام الشريعة والسلطان الإسلامي غير مستعلين بحرب ولا محادّة؛ وليس المراد به إهانتهم أو ضربهم كما توهم بعض الجهلة؛ لأن الشريعة حرمت تعذيب أهل الذمة وظلمهم؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (سنن أبي داود، رقم: 3052)سنن أبي داودأبو داودحديث رقم ٣٠٥٢.
قال الشنقيطي (أضواء البيان، جـ 2، ص 334)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٣٤: الصغار هو الانقياد لحكم الله ودخولهم تحت ذمة المسلمين والتزامهم بما يفرضه القضاء الشرعي، وليس الصغار إذلال الآدمي بما ينافي الكرامة والعدل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
الْجِزْيَةَ: فِعْلَة من الجزاء، وهي المال المضروب على الرؤوس سنوياً لغير المسلمين المقيمين في دار الإسلام مقابل حمايتهم وعصمة دمائهم وأموالهم وكفايتهم أعباء القتال والدفاع.
عَن يَدٍ: اليد تطلق في لسان العرب على معانٍ: النعمة والإحسان، والقدرة والغنى (يقال فلان له يد بكذا أي طاقة وقوة)، والانقياد والتسليم الذاتي المباشر يداً بيد دون وساطة مستعلية.
صَاغِرُونَ: جمع صاغر، من الصَّغَار (بفتح الصاد) وهو الذل والانقياد والخضوع لسلطان الحكم؛ يقال صغر فلان إذا رضي بالخضوع للنظام العام بعد أن كان ممرداً ومحارباً.
الإعراب التفصيلي:
قَاتِلُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ: جار ومجرور ومعطوف عليه متعلق بـ يؤمنون.
وَلَا يُحَرِّمُونَ: معطوف على لا يؤمنون، والواو فاعل.
مَا: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ يحرمون.
حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: فعل وفاعل ومعطوف عليه، والجملة صلة ما.
وَلَا يَدِينُونَ: معطوف أيضاً، والواو فاعل.
دِينَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
الْحَقِّ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
مِنَ الَّذِينَ: جار ومجرور في محل نصب حال من الاسم الموصول الأول (الذين) أو بيان له.
أُوتُوا: فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والواو نائب فاعل.
الْكِتَابَ: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والجملة صلة الموصول.
حَتَّىٰ يُعْطُوا: حتى حرف غاية وجر، يعطوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى بحذف النون، والواو فاعل. والمصدر المؤول في محل جر بحتى متعلق بـ قاتلوا.
الْجِزْيَةَ: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
عَن يَدٍ: جار ومجرور في محل نصب حال من فاعل يعطوا (أي حال كونهم منقادين قادرين باذلين بأيديهم).
وَهُمْ صَاغِرُونَ: الواو للحال، هم ضمير منفصل مبتدأ، صاغرون خبر مرفوع بالواو؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال التشريعي من المشركين إلى أهل الكتاب: لما أكملت الآيات السابقة (1 - 28) تصفية الحساب مع الشرك الوثني في جزيرة العرب وأسقطت عهود الناكثين ومنعتهم من المسجد الحرام؛ التفت السياق إلى الجبهة العسكرية والحضارية المقابلة: جبهة أهل الكتاب (الروم وحلفاؤهم) الذين بدأ خطرهم يهدد الدولة الإسلامية في الشمال.
وضع الجزية غاية للقتال: قوله {حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} يقطع بأن القتال ليس للإبادة العرقية ولا لإكراههم على ترك عقيدتهم، بل هو لإخضاعهم للنظام العام وكف عدوانهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة "الجزية ضريبة ابتزاز وظلم عنصري مفروض على غير المسلمين":
هذه الشبهة من أكثر الشبهات انتشاراً في الكتابات الاستشراقية والتنصيرية.
الرد والمحاكمة العقلية والقانونية المقارنة:
الجزية في جوهرها بدل مالي رمزي عن الدفاع العسكري: المسلم في الدولة الإسلامية يدفع فريضة الزكاة (وهي نسبة 2.5% من مدخراته و10% من زروعه، وهي أضعاف مضاعفة من مقدار الجزية)، وفوق ذلك يفرض على المسلم وجوباً التجنيد العسكري والمخاطرة بدمه وروحه في سوح الوغى لحماية الدولة. أما الذمي فيدفع الجزية (وهي دراهم يسيرة سنوية: دينار أو ديناران عن البالغ القادر) في مقابل أن تحميه جيوش المسلمين وتصون كنيسته وعرضه وماله دون أن يُلزم بالقتال.
سقوط الجزية عند العجز عن الحماية: السجل التاريخي الإسلامي يثبت قمة العدالة؛ فقد رد الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح أموال الجزية كاملة إلى نصارى الشام (حمص وحلب) حين حشدت الروم جيشاً كبيراً وخشي المسلمون ألا يتمكنوا من حمايتهم، وقال لهم: "إنما رددنا عليكم أموالكم لأنا كرهنا أن نأخذها ولا نقدر على حمايتكم، فإن نصرنا الله وفينا لكم بشرطنا"؛ فبكى النصارى وقالوا: "ردكم الله إلينا، فلعمرنا لأنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا!".
استثناء الضعفاء والنساء والشيوخ والفقراء بإجماع الأمة: لا تؤخذ الجزية من امرأة ولا صبي ولا شيخ فانٍ ولا زمن ولا فقير لا مال له ولا راهب في صومعته؛ بل كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض معاش من بيت مال المسلمين لشيخ يهودي رآه يسأل الناس، وقال كلمته الخالدة: "ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك ثم خذلناك في كبرك!".
تحقيق معنى {وَهُمْ صَاغِرُونَ}: الصغار هو الخضوع لقانون الدولة ونبذ التمرد العسكري، ولا يجوز شرعاً إذلالهم ولا تعذيبهم كما صرح أئمة الفقه، لحديث هشام بن حكيم بن حزام لما رأى عمالاً يعذبون نصارى في الجزية بالشام فأنكر عليهم وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» (صحيح مسلم، رقم: 2613)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٦١٣.
التكرار في حرف النفي {وَلَا... وَلَا... وَلَا}: تكرار النفي أربع مرات لاستقصاء كل مظاهر الانحراف العقدي والتشريعي والسلوكي في واقعهم، وإشعار بأن انتسابهم لأهل الكتاب صار اسماً بلا حقيقة بعد تحريفهم لكتبهم.
التنكير في {عَن يَدٍ}: للدلالة على أن البذل يكون عن طواعية ومقدرة من غير عسر ولا مشقة تعجيزية.
الغاية بـ {حَتَّىٰ}: قاطعة لاستمرار القتال؛ فبمجرد قبول الجزية وعقد الذمة تحرم دماؤهم وأموالهم وكنائسهم بإجماع المسلمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سعة الأفق الحضاري للإسلام: الإسلام سبق العالم بقرون في صياغة نظام المواطنة المتعددة الأديان وحرية الاعتقاد داخل دار الإسلام تحت سيادة القانون والعدالة.
الوفاء بحقوق أهل الذمة: من كان في ذمة المسلمين وعهدهم وجب على الأمة كف الأذى عنه والعدل معه والبر به، وظلمه من كبائر الذنوب التي تخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.