قطع المعاذير وإعلان الحكم الشرعي البات: نزل قوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا} حسماً لكل محاولة تبريرية حاول المنافقون التمسك بها لدرء العقوبة وفضيحة الكفر.
تفسير السلف لقوله {قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}:
قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أي أظهرتم الكفر بعد أن كنتم تظهرون الإيمان؛ فصار نفاقكم الباطن كفراً ظاهراً صريحاً سقطت معه كل حصانة ودعوى.
وذهب طائفة من المحققين كابن تيمية وابن القيم إلى أن النص يدل على أنه كان معهم شعبة يسيرة من أصل الإيمان والتصديق المجمل، ولكن لما استهزؤوا بالله ورسوله بطل ذلك الإيمان وحبط عملهم وكفروا بالاستهزاء كفراً أكبر مخرجاً من الملة.
تحديد الطائفة المعفو عنها والطائفة المعذبة:
الطائفة المعفو عنها: هو مخشي بن حمير (وقيل: وديعة بن ثابت في بعض الروايات، والمشهور مخشي)، الذي أقر بذنبه وندم وبكى، واعتزل المنافقين وتاب إلى الله تبارك وتعالى واستغفر ورجا الشهادة، فغيّر النبي ﷺ اسمه إلى عبد الرحمن، فاستشهد في اليمامة.
الطائفة المعذبة: هم الباقون الذين أصروا على نفاقهم ولم يتوبوا توبة نصوحاً، بل استمروا على مكرهم وخبثهم حتى ماتوا على النفاق، فعذبهم الله في الدنيا والآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القراءات المتواترة في {إِن نَّعْفُ... نُعَذِّبْ}:
قرأ عاصم في رواية حفص: {إِن نَّعْفُ} بنون العظمة مفتوحة وضم الفاء مبنياً للفاعل (الله)، {عَن طَائِفَةٍ} جار ومجرور، {نُعَذِّبْ} بالنون المضمومة وكسر الذال مبنياً للفاعل، {طَائِفَةً} بالنصب مفعول به.
وقرأ الكوفيون (حمزة والكسائي وخلف): {إِن يُعْفَ} بالياء التحتية المضمومة وفتح الفاء مبنياً للمفعول مجزوماً بحذف حرف العلة، {عَن طَائِفَةٍ} نائب فاعل، {تُعَذَّبْ} بالتاء الفوقية المضمومة وفتح الذال مبنياً للمجهول، {طَائِفَةٌ} بالرفع نائب فاعل لتأنيث لفظ الطائفة.
وقرأ الباقون (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب): {إِن نَّعْفُ} بالنون، و{نُعَذِّبْ} بالنون ونصب طائفة، وتوافق القراءات يثري المعنى ويؤكد نسبة العفو والتعذيب إلى الذات الإلهية العلية.
الإعراب المفصل:
"لَا": ناهية جازمة.
"تَعْتَذِرُوا": فعل مضارع مجزوم بـ "لا" الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
"قَدْ": حرف تحقيق وتوكيد.
"كَفَرْتُم": فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والميم للجمع.
"بَعْدَ": ظرف زمان منصوب متعلق بـ "كفرتم"، وهو مضاف.
"إِيمَانِكُمْ": مضاف إليه مجرور بالكسرة، والكاف مضاف إليه.
"إِن": حرف شرط جازم.
"نَّعْفُ": مضارع مجزوم فعل الشرط بحذف حرف العلة (الواو)، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن.
"بِأَنَّهُمْ": الباء حرف جر للسببية والتعليل، "أنّ" حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها.
"كَانُوا": فعل ماض ناقص، والواو اسمه.
"مُجْرِمِينَ": خبر "كانوا" منصوب بالياء، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ "نعذب"؛ أي: بسبب إجرامهم وثبوتهم عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط الأعذار وإثبات الردة وتفريق المصائر: بعد أن ساق مقالتهم واعتذارهم البارد، صفعهم بهذا الحسم القاطع: {لَا تَعْتَذِرُوا}، مبيناً أن عذرهم غير مسموع؛ لأن الجرم بلغ ذروة الكفر بالله ورسوله. ثم قسمهم بعد ذلك بقسطاس العدل الإلهي؛ فمن تاب بصدق نال العفو، ومن استكبر وأصر عُذب بأشنع العذاب.
التعليل بـ {بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}: بيان ناصع بأن التعذيب الإلهي لم يكن ظلماً ولا تشفياً، حاشا لله، بل هو جزاء وفاق لرسوخهم في الإجرام واكتسابهم لأسبابه؛ فالصيغة بـ "كانوا" تدل على الاستمرار والتأصل في الجريمة والنفاق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إطلاق اسم "الإيمان" عليهم قبل الكفر (قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ): استدل بعض المبتدعة بهذه الآية على أن الكفر يطرأ على الإيمان الحقيقي الكامل دون نقص، وأن المؤمن الكامل قد يرتد بمجرد المزاح دون أن تزول حقيقة إيمانه القلبية قبل ذلك!
الدفع والمحاكمة العقلية: المراد بـ {إِيمَانِكُمْ} هنا إما الإيمان الظاهر الذي حقن دماءهم في الدنيا وأجرى عليهم أحكام الإسلام؛ فصاروا بكلامهم هذا كفاراً ظاهراً وباطناً بعد أن كانوا معصومين ظاهراً، أو أن معهم قدراً ضئيلاً من التصديق الضعيف الذي لم يرسخ ولم يوقر في القلوب، فلما ورد عليه الاستهزاء الصريح اقتلعه من جذوره بالكلية. والإيمان الراسخ واليقين التام لا يجامع الاستهزاء قط؛ إذ يستحيل عقلاً وشرعاً أن يمتلئ قلب المرء بتعظيم الله وتوقير رسوله ﷺ ثم ينطلق لسانه بالاستهزاء والتنقص؛ فالاستهزاء قرين الكفر وباعثه.
الجزم بالنهي {لَا تَعْتَذِرُوا} وإفادة اليأس التام: أسلوب النهي هنا يقطع أطماعهم في قبول العفو باللسان دون توبة باطنة حقيقية، وهو في غاية الإذلال لهم بعد كبريائهم.
التنكير في "طَائِفَةٍ": يفيد التقليل والتبعيض؛ مبيناً أن العفو لن يناله إلا القلة النادرة التي أخلصت التوبة وصدقت في الإنابة، بينما الأكثرية العاتية المستمرة على طغيانها مستوجبة للتعذيب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
باب التوبة مفتوح حتى للمرتد والمستهزئ: تتجلى سعة رحمة الله في قوله: {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ}؛ فمع عظم جرم الاستهزاء وكفره الصريح، فتح الله باب التوبة لمن تاب وأناب، وهذا غاية الرجاء وسعة فضل الله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
المفاصلة بين الإجرام والإيمان: الواجب على الجماعة المسلمة نبذ المجرمين والمستهزئين والمنافقين، وعدم الركون إلى معاذيرهم الزائفة، واليقين بأن العدل الإلهي سينصف المظلومين ويعاقب المجرمين على إجرامهم.