الحديث النبوي الصحيح في عظمة الرضوان الإلهي: أخرج الشيخان البخاري (كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم 6549)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٤٩ ومسلم (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم 2829)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٢٩ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً!".
حديث المساكن الطيبة في جنات عدن: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قلنا يا رسول الله: حدّثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم" (أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "عَدْنٍ" لغة:
عَدْن: من عَدَنَ بالمكان إذا أقام به واستقر فلم يبرحه، ومنه "المعدن" لاستقرار الجواهر فيه؛ فجنات عدن هي جنات إقامة دائمة وخلود أبدي لا يعتريه تحول ولا زوال ولا ارتحال، كما قال تعالى: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا}.
تنكير "رِضْوَانٌ" ودلالته البلاغية المعجزة:
نُكّر لفظ "رِضْوَانٌ" ليفيد التعظيم المطلق، أي: وشيء يسير من رضوان الله تبارك وتعالى أكبر وأجل وأعظم من كل ما في الجنات من النعيم الحسي؛ لأن رضا الرب هو غاية الغايات، والجنة إنما طابت برضاه وتجليه لأهلها.
الإعراب المفصل:
"وَعَدَ": فعل ماض مبني على الفتح.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
"الْمُؤْمِنِينَ": مفعول به أول منصوب بالياء.
"وَالْمُؤْمِنَاتِ": معطوف منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
"جَنَّاتٍ": مفعول به ثانٍ منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة.
"تَجْرِي": مضارع مرفوع بالضمة المقدرة.
"مِن تَحْتِهَا": جار ومجرور متعلق بـ "تجري".
"الْأَنْهَارُ": فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب نعت لـ "جنات".
"خَالِدِينَ": حال منصوبة بالياء من المفعول به، "فِيهَا" جار ومجرور متعلق به.
"وَمَسَاكِنَ": معطوف على "جنات" منصوب بالفتحة (غير منون لمنعه من الصرف على صيغة منتهى الجموع).
"طَيِّبَةً": نعت لـ "مساكن" منصوب بالفتحة.
"فِي جَنَّاتِ": جار ومجرور نعت ثانٍ.
"عَدْنٍ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"وَرِضْوَانٌ": الواو استئنافية أو عاطفة، "رضوانٌ" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
"مِّنَ اللَّهِ": جار ومجرور شبه جملة في محل رفع نعت لـ "رضوان".
"أَكْبَرُ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
"ذَٰلِكَ": اسم إشارة مبتدأ.
"هُوَ": ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
"الْفَوْزُ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
"الْعَظِيمُ": نعت لـ "الفوز" مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين وعد المنافقين ووعد المؤمنين: في الآية (68) قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}، وقابلها هنا في كمال النظم: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}، لتكتمل لوحة الجزاء الرباني العادل بمشهديه المتناقضين.
التدرج الباهر في النعيم (من الحسي إلى الروحي الأقدس): تدرجت الآية من ذكر البيئة الطبيعية الساحرة (جنات الأنهار والخلود)، إلى المنازل والقصور الفارهة (مساكن طيبة في جنات عدن)، ثم حلّقت بالروح الإنسانية إلى الذروة المطلقة التي لا تدانيها غاية: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}، لتختم بأن هذا هو الفوز العظيم الذي تتصاغر دونه كل فتوحات الدنيا ومكاسبها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة المفاضلة بين الجنة والرضوان والخلط بين الوسيلة والغاية: قد يظن ظان أن الجنة بما فيها من حور وقصور وأنهار هي الغاية القصوى للمؤمن، فكيف يكون الرضوان أكبر منها؟
الدفع والمحاكمة العقلية والروحية العميقة: الجنة بمادياتها ونعيمها الحسي إنما هي دار ضيافة أعدها الكريم لعباده، ولكن شرف دار الضيافة مستمد من شرف المضيف ورضاه وتجليه. فرضا الله تبارك وتعالى هو الأصل والعلة والروح لكل نعيم؛ ولولا رضا الله لكان النعيم ناقصاً، ولذلك كان النظر إلى وجه الله الكريم ورضوانه الأبدي هو أعلى لذة وأعظم نعيم ينسى أهل الجنة عنده كل ما أوتوه من بساتين وقصور، كما قرره ابن القيم في (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص 345).
وصف المساكن بـ "طَيِّبَةً": لفظة طيبة تستوعب كل ما تطيب به النفوس؛ طيبة في بنائها المعماري، طيبة في هوائها ورائحتها المسكية، طيبة في أمنها وسلامتها من الآفات والأكدار، طيبة في جيرانها من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
قصر الفوز العظيم بضمير الفصل وأل التعريف في {ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: يفيد أن ما سواه من فوز دنيوي كاذب أو ناقص ليس فوزاً على الحقيقة، بل الفوز المنحصر المطلق هو النجاة من النار والظفر برضا الرحمن وجنات النعيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه بوصلة القلوب إلى ابتغاء مرضاة الله: تربي الآية المؤمن على أن يكون باعثه الأول في طاعاته وجهاده وصلاته ليس مجرد طلب الحظوظ، بل ابتغاء وجه الله الكريم ونيل رضوانه الأكبر؛ فمن رضي الله عنه أسعده سعادة لا يشقى بعدها أبداً.
علو الهمة والاستهانة بمتاع الدنيا الزائل: حين يستقر في قلب العبد يقين هذه المساكن الطيبة والخلود الأبدي، تصغر في عينه زخارف الدنيا الفانية ومساكنها المؤقتة، ويبذل الغالي والنفيس في نصرة دينه وإعلاء كلمة ربه.