أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: "كان المنافقون يأتون أقاربهم وإخوانهم من الأنصار والمهاجرين فيحلفون لهم بالله كذباً: والله لقد كان لنا عذر وما استطعنا الخروج، وإنما كان حبسنا كذا وكذا! كل ذلك رجاء أن يرضى عنهم المؤمنون وتزول وحشة القطيعة؛ فقال الله للمؤمنين: {فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}".
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/183): "أي: ولو رضيتم أنتم عنهم إذا حلفوا لكم واعتذروا إليكم، فإن رضاكم لا ينفعهم شيئاً؛ لأن الله لا يرضى عن القوم الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله، فما قيمة رضا المخلوق الضعيف إذا كان الخالق العظيم ساخطاً غضباناً عليهم؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التعبير بالاسم الظاهر {الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} بدلاً من الضمير (عنهم):
عدل عن الإضمار فلم يقل "فإن الله لا يرضى عنهم"، بل قال: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}:
للتعليل والإشعار بعلة الحكم؛ أي: لفسقهم وخروجهم عن الطاعة استحقوا سخط الله الأبدي.
لتقرير قاعدة عامة مستمرة؛ فكل من اتصف بهذا الفسق والنفاق محكوم عليه بسخط الله وعدم رضاه، لا يخص هؤلاء الأفراد بأعيانهم فقط.
"الْفَاسِقِينَ": نعت لـ "القوم" مجرور بالياء، وجملة "لا يرضى" خبر "إنّ"، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سد منافذ العاطفة والمداهنة القرابية: الآية تخاطب عواطف المؤمنين الرقيقة؛ فالقرابة والصداقة القديمة قد تدفع المؤمن إلى المسامحة والرضا عن قريبه المنافق إذا حلف له واعتذر؛ فجاء التحذير الإلهي ليسمو بالولاء فوق كل عاطفة؛ مبيناً أن المؤمن لا يرضى عمن سخط الله عليه، ولا يوالي من عادى ربه ورسوله.
التسفيه التام لمقاصدهم: إن كان همهم رضا البشر، فقد بين الله أن رضا البشر هباء لا وزن له يوم القيامة إذا كان الرب جل جلاله غير راضٍ عنهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة جواز المداهنة واسترضاء الناس في المعاصي: يظن بعض ضعاف العقول أن إرضاء الناس ومجاملتهم ولو على حساب الدين نوع من الحكمة الاجتماعية!
الدفع والمحاكمة العقلية والنبوية:
هذه الآية تدك هذا المفهوم السقيم؛ فرضا الناس غاية لا تدرك، وسخط الله مهلكة لا فكاك منها؛ وفي الحديث النبوي المحكم: "من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس". فالمؤمن الحقيقي يربط رضاه وغضبه برضا ربه وغضبه سبحانه وتعالى.
إطلاق نفي الرضا مع المضارع {لَا يَرْضَىٰ}: يفيد استمرار نفي الرضا وثبوته ماداموا مقيمين على الفسق، مسقطاً كل أمل لهم في النجاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قاعدة الولاء والبراء الإيماني: المؤمن الصادق يدور مع رضا الله حيث دار؛ يرضى عمن رضي الله عنه من أهل الإيمان، ويسخط على من سخط الله عليه من أهل الفسق والنفاق، ولو كان أقرب قريب.
ميزان العلاقات والتحالفات: تحذير الجماعة المسلمة من الانخداع بالأيمان السياسية المعسولة والوعود الجوفاء التي يطلقها المنافقون لكسب الثقة والعودة إلى مفاصل المجتمع.