أسباب النزول ومرويات الباب في حقيقة النسيء الجاهلي: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن النسيء كان عادة جاهلية تتلاعب فيها قبائل العرب (وكان يقوم عليها رجل من بني كنانة يقال له القَلَمَّس جنادة بن عوف)؛ فكانت العرب تشق عليها ثلاثة أشهر حرم متوالية (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم) لامتناعهم فيها عن الغزو وشن الغارات، فكان القلمس يقف في موسم الحج فيقول: "إني قد نسأت المحرم إلى صفر فأحللته، وحرمت بدله صفر!"؛ فيقاتلون في المحرم ويؤخرون التحريم إلى صفر، فإذا كان العام القابل حرموا المحرم وأحلوا صفراً؛ ليتفق عدد الأشهر المحرمة وهي أربعة، لكنهم تلاعبوا بمواقيتها وأحلوا ما حرم الله؛ فأنزل الله بياناً لخبيئة مكرهم وإبطالاً لهذا التلاعب: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 248)جامع البيانالطبري١٤/٢٤٨: النسيء هو التأخير؛ من نسأ الشيء إذا أخره وأجّله. وكان كفار قريش وكنانة يؤخرون تحريم شهر إلى شهر آخر لتسويغ الغزو والنهب في الشهر الحرام بحسب أهوائهم، فبين الله أن هذا الصنيع زيادة في كفرهم وجحدهم؛ لأنهم أضافوا إلى كفرهم بالله تجرؤاً على تبديل شريعته وتحليل حرامه.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 146)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٤٦: ذم الله المشركين على ما أحدثوه في دين الله من تبديل أحكامه بأهوائهم وآرائهم الباطلة؛ واستمر هذا التلاعب حتى وافقت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع شهر ذي الحجة الحقيقي الأصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ»؛ فاستقر الحساب وثبتت الأشهر على أصلها وبطل النسيء إلى الأبد.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 167)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٦٧: استدل بالآية على تحريم التلاعب بأحكام الشريعة بالتحايل الشكلي؛ فالتحايل لإحلال الحرام كفر مغلظ؛ ومن واطأ في العدد وخالف في الحكم فقد استهزأ بحدود الله.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 337)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٧: زادوا على كفرهم الأصلي كفراً جديداً بالتشريع والتبديل؛ وهذا شأن من زين له سوء عمله فرآه حسناً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
النَّسِيءُ: فعيل بمعنى مفعول من النسء وهو التأخير؛ يقال نسأ الله في أجله أي أخره، وأنسأته الدين إذا أخرت مطالبته به؛ والمراد به تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر.
لِّيُوَاطِئُوا: المواطأة الموافقة والمطابقة، مأخوذة من وطء القدم على أثر القدم؛ يقال تواطأ القوم على كذا إذا اتفقوا وتطابقوا عليه.
زُيِّنَ لَهُمْ: التزيين تحسين القبيح في عين فاعله حتى يراه حسناً ومصلحة.
الإعراب التفصيلي:
إِنَّمَا: أداة حصر وقصر كافة ومكفوفة.
النَّسِيءُ: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
زِيَادَةٌ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
فِي الْكُفْرِ: جار ومجرور نعت لـ زيادة أو متعلق به.
يُضَلُّ: فعل مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله مرفوع بالضمة الظاهرة.
بِهِ: جار ومجرور متعلق بـ يضل.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل لـ يضل.
كَفَرُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
يُحِلُّونَهُ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به يعود على النسيء أو الشهر المؤخر، والجملة في محل نصب حال من الذين كفروا أو مفسرة للضلال.
عَامًا: ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا: معطوف على ما قبله.
لِّيُوَاطِئُوا: اللام لام التعليل، يواطئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بحذف النون، والواو فاعل؛ والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ يحلونه ويحرمونه.
قرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف العاشر: {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} بضم الياء وفتح الضاد مبنياً لما لم يسم فاعله، و{الَّذِينَ} نائب فاعل.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: {يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} بفتح الياء وكسر الضاد فعلاً لازماً، و{الَّذِينَ} فاعل.
وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم: {يُضِلُّ بِهِ} بضم الياء وكسر الضاد فعلاً متعدياً والفاعل مستتر تقديره الله أو الشيطان، و{الَّذِينَ} مفعول به.
وقرأ ورش عن نافع بتخفيف همزة {النَّسِي} مع إبدالها ياء وإدغامها، وقرأ الباقون بالهمز {النَّسِيءُ}. وكلها وجوه إعجازية متواترة تثبت فظاعة هذا الضلال وتعدده.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الحيل والتحايل الشكلي على حدود الله: تواصل الآية هدم البنية الفكرية والتشريعية الفاسدة للجاهلية؛ فبعد أن أصلت في الآية (36) حقيقة الأشهر الحرم الثابتة بناموس الكون، كشفت هنا في الآية (37) عن العبث الجاهلي الذي كان يتحايل على النص بالحفاظ على "الشكل العددي" (أربعة أشهر) مع نسف "المضمون الحقيقي" بإحلال الأشهر الحرم وتأخيرها لخدمة أهواء الحروب والنهب.
التماثل في التحايل بين المشركين وأهل الكتاب: في الآية (31) اتخذ أهل الكتاب أحبارهم أرباباً يحلون لهم الحرام ويحرمون الحلال، وهنا في الآية (37) اتخذ مشركو العرب القلمس وأهل النسيء مشرعين يحلون لهم الحرام ويحرمون الحلال؛ لتكتمل صورة الانحراف التشريعي البشري عند ترك الانقياد للوحي الإلهي.
يستدل بعض المفسدين بالحيل القانونية لإسقاط الزكاة أو تحليل الربا بالبيوع الصورية، زاعمين أن المهم هو موافقة الشكل الظاهري للنص.
الرد والمحاكمة التشريعية الصارمة:
هذه الآية تمثل أصلاً عظيماً في إبطال الحيل المحرمة وسد الذرائع؛ فقد واطأ أهل الجاهلية عدة ما حرم الله عدداً (أربعة بأربعة)، ومع ذلك حكم الله بكفرهم وخزيهم: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}؛ لأنهم التزموا بالصورة الشكلية وأسقطوا المقصد والجوهر وحللوا ما حرم الله في حقيقته.
قال الإمام ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (جـ 3، ص 170)إعلام الموقعين عن رب العالمينابن القيم٣/١٧٠: "كل حيلة يتوصل بها إلى إسقاط واجب أو ارتكاب محرم فهي باطلة محرمة، وأصحابها مشابهون لأهل النسيء ولأصحاب السبت من اليهود الذين أحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل؛ فالعبرة في الشريعة بالحقائق والمقاصد لا بالألفاظ والظواهر المغيرة".
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنَّمَا}: قصر النسيء على أنه زيادة في الكفر؛ لبيان أنه ليس مجرد اجتهاد زمني عارض، بل هو تمرد تشريعي كفري ينسف أصل الإيمان.
المقابلة التناقضية في {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا}: تصوير ساخر ومخزٍ لاضطراب الأهواء البشرية؛ فما يكون اليوم حراماً مقدساً يصبح غداً حلالاً مباحاً بحسب شهوة الغزو والمصالح المادية العاجلة.
البناء لما لم يُسمَّ فاعله في {زُيِّنَ لَهُمْ}: لإشعار السامع بأن نفوسهم المريضة وشياطينهم رانت عليها الغفلة وانطمس فيها ميزان التمييز، حتى صار القبيح الشنيع في أعينهم زينة ومفخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة العبث بالأحكام الشرعية بالهوى: التشريع حق لله وحده، وأعظم انتكاس فكري هو أن يبرر الإنسان معاصيه ويطوع نصوص الدين لتوافق أهواءه ومصالحه الدنيوية.
الحذر من تزيين الباطل: أشد العقوبات الإلهية للعبد المعاند أن يُسلب نور البصيرة، فيزين له سوء عمله ويحسب أنه يحسن صنعاً؛ والنجاة في الاعتصام بالنص الشرعي الصادق ومحاسبة النفس الدائمة.